بعد طول انتظار عصف ربيع الشعوب العربيّة رغماً عن الأنظمة المستبدّة والحكّام الطغاة الذين أدخلوا الأمّة العربية على مرّ عقود من الزمن في شتاء خيّل لكثيرين منّا أنّه أبديّ.
هذا الربيع لم يفرّق بين نظام "معتدل" ونظام "ممانع". إنّه أقوى وأشدّ من أيّ ربيع آخر، لأنّه لم يأتِ إلّا بعد معاناة صعبة وطويلة وأليمة. وهو، وإن تعرّض لبعض العواصف الرجعيّة إلّا أنّه في النتيجة سيتغلّب على التحدّيات. الكلّ تفاجأ بهذا الربيع وبكِبر رقعة امتداده وبسرعة انتقال عدواه، وأخذ يبحث ويسعى إلى إعادة ترتيب أموره على وقع هول التغيير الآتي.
العالم بأسره يحدّق، يتساءل، يدرس، يحلّل، ويضع الخطط! مراكز أبحاثه ودراساته تعمل جميعها على استقراء واستشراف التغيير! حتى الأنظمة العربية "المسترخية" تسارع بشكل ملفت في تقديم" الإصلاح تِلوَى الإصلاح" بعمليّة وقائيّة أو بخطوة استباقيّة لِما سينالها حتماً من هذا الربيع…
أمّا اللبنانيّون الذين بدأ الربيع في ديارهم سنة 2005 وأجهِضَ ولم يكتمل، فكيف عساهم يتفاعلون مع عظمة وقوّة الحدث والمتغيّرات الكبرى التي يحملها؟
هل باختلافهم على ملفّ الكهرباء وملفّ التعيينات؟ أو بتباريهم في الخطب الشعبويّة وفي استثارة الشارع وتحمية أجوائه كأنّهم على أبواب حرب أهليّة جديدة؟ أم بالتنظير على الثورات وعلى الثوار؟
هذا يشترط من أجل دعمه للثورات أن تقدّم له هذه الثورات سلفاً كشفاً مفصّلاً عن برامجها للمستقبل، وذاك يقحم نفسه في ملفّ الثورة المصريّة وموضوع الأخوان المسلمين والأقباط… وهو بالحقيقة أعجز عن تدبير أمور حزبه الداخلية. وآخر يهاجم الثورة السورية ويخوّن الثوار الأبطال والأسرى القابعين في أقبية التعذيب!
غريب أمر هؤلاء اللبنانيّين! من قال لهم إنّهم قادرون على تغيير قيد أنملة فيما يحدث من حولهم من ثورات؟ هم الذين استحضروا مرّات ومرّات وما زالوا، العالم بأجمعه من أجل مساعدتهم كلّما اختلفوا فيما بينهم!
أليس من الأفضل لنا كلبنانيّين أن نقرأ جيّداً ما يحدث حولنا، ونستعدّ لملاقاة المتغيّرات الكبيرة، أأعجبتنا أم لم تعجبنا؟
حسناً فعل وليد جنبلاط في أن تدارك الأمور، فبادر إلى قراءة جديدة تتلاءم مع التغيير القادم خشية من ارتدادات هذا التغيير عليه وعلى طائفته وحزبه، ولكي يحجز مكاناً له في "الفرحة الكبرى"! لِمَ لا؟ وهو من عانى وصبر وقدّم الشهداء في الماضي البعيد كما في الماضي القريب حينما أراد، كما والده من قبله، الإسهام في ولادة هذا الربيع.
من هنا يمكن القول إنّ "لقاء سيّدة الجبل" استعاد المبادرة وذكّر بالمساهمات المسيحيّة الوطنية الكبرى من مصالحة الجبل سنة 2000 ولقاء "قرنة شهوان"، إلى كلّ ما تلا ذلك من وقفات رياديّة ..! لذلك نأمل اليوم من هذا اللقاء أن يثابر مع كافّة مسيحيّي 14 آذار، وخاصة القوّات اللبنانية في استمالة القاعدة العونيّة والعمل على إعادتها إلى حيث كانت في آذار 2005، كما في التصدّي لكلّ الخطب المذهبيّة الصادرة يوميّاً عن قيادة التيّار العوني.
أمّا الطائفة الشيعيّة المخطوفة القرار منذ زمن طويل، هل يمكن أن تبقى معادية للربيع في سوريا؟
إنّ الفرد الشيعيّ في لبنان هو الأكثر حاجة للربيع العربي الذي يعني له التحرّر من الإلغاء أو التهميش الذي فُرِضَ عليه بحجّة أنّ لا صوت يعلو فوق صوت المعركة وقضايا الأمّة. هذا الإنسان عمل في السياسة وفي الأحزاب وناضل في الحركات الثوريّة منذ زمن بعيد.
بمقدوره اليوم مواكبة الربيع وربّما ريادته، لكن عليه أن يُقْدِمَ الآن وبقوّة على كسر الحاجز الفولاذيّ الذي وضع فوق رؤوس أبناء الطائفة، فيعبّر عن رأيه بصوت حرّ وعالٍ! ولا يكفيه موقف بعض الناشطين والمثقّفين الشيعة، بل يجب أن تتّسع رقعة "المتحرّرين" المنقلبين على الهيمنة بسرعة. باختصار إنّني أرى أنّ ربيع لبنان لن يكتمل ما لم يواكبه ربيع شيعيّ في لبنان، فهل يتحقّق؟
تبقى الطائفة السُنّية! هذه الطائفة التي لطالما، ولأسباب عديدة، لم ينخرط أبناؤها بأعداد كبيرة في العمل الحزبيّ المنظّم. إنّها على عكس ما هو حاصل لدى قيادة الطائفة الشيعيّة، ترى زعيمها الأبرز أوّل الداعمين والمنخرطين في الربيع العربي. خلف هذا الزعيم مؤيّدون كثر، ولكن ربّما ينقصهم بعض الكوادر صاحبة الخبرة التي تتطلّبها قوّة الربيع القادم وحجم جمهور مؤيّدي هذا الربيع في لبنان. هذا "النقص"، إن صحّ التوصيف هو في نفس الوقت "نقطة قوّة" لأنّه يفسح المجال أمام بروز الشباب الصاعد من دون حاجة لانقلاب على جيل قديم، هو جيل الحرب.
جلّ ما يحتاجه تيّار المستقبل هو تنقية للصفوف من بعض النفعيّين الذين كشفتهم الأيّام. على تيّار المستقبل إذاً تقطير كوادر فتيّة نابضة، ودعوتها إلى تسلّم مسؤوليّات عمل وطنيّ جادّ وجامع.
إنّ هذه الكتابة السريعة عن الربيع العربي محاولة للفت كلّ اللاعبين اللبنانيّين إلى أنّ أوضاعنا لا يمكن أن تبقى على حالها، بل إنّ التغيير سيطالنا جميعاً، ويجب ان يطالنا في الصميم.
هذا الربيع اللبناني لن يتعايش مع الفساد ومع المحسوبيّة ومع الفئويّة والطائفيّة، كما أنّه لن يقوم على أحزاب بعيدة عن الديمقراطية وغير شفّافة. إنّه سيفرض قضاء نزيهاً ومحترماً، وقوى أمنٍ مسؤولة وذات هيبة، وجيشاً منصهراً قولاً وفِعلاً مع مراجعة لعقيدته.
هذا الربيع سيجعل المواطن العاديّ أكثر جرأة في مجتمعه وفي حياته اليوميّة. وستكون السياسات الاجتماعيّة والاقتصادية والضريبية الموضوع الأوّل في التنافس السياسيّ للأحزاب.
فهل نعي كلبنانيّين حجم التحدّي وأهمّية الفرصة، فنصلح سويّاً ما بأنفسنا، قبل ان نُرْذَل وتسبقنا كلّ المجتمعات العربيّة، القريبة والبعيدة.. كي لا نكون أوّل من طاله الربيع وآخر من استفاد منه؟!.