لم تُفاجأ المصادر الدبلوماسيّة المتابعة للملفّ اللبناني في الولايات المتّحدة بالكلام الأخير الصادر عن مساعد وزيرة الخارجية الأميركيّة لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان، بشأن العواقب التي تنتظر الحكومة اللبنانية في حال تمنّعها عن دفع حصّة لبنان في المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان.
وتشير هذه المصادر إلى أنّ "هذا الموقف يجسّد الثابتة الأميركيّة في دعم عمل هذه المحكمة أيّاً كانت المواقف السياسيّة المسبقة التي تطعن به، لا سيّما وأنّ المعايير الدوليّة القانونيّة هي التي تتحكّم بعمل هذه المحكمة، وليس إرادات الدول أو مواقف الأطراف، لناحية أنّ البعد القانونيّ الدولي لهذه المحكمة يتخطّى منذ تأسيسها كلّ المصالح الضيّقة أو الأهداف المبيتّة ضدّ العمل القانونيّ الدولي".
وتلاحظ هذه المصادر "كيف أنّ كلّ الأطراف، أكانت دوَلاً أم جهاتٍ حزبيّة ترفض مسبقاً منظومة عمل المحاكم الدوليّة لأنّها تعرف في قرارة نفسها حجم الأعمال التي تكون قد ارتكبتها، والتي ستتكشّف وقائعها من قبل المحاكم الدوليّة نفسها".
وعليه تؤكّد المصادر الدبلوماسية أنّ واشنطن تتعامل مع المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان على أساس أنّها كيان دوليّ قائم بذاته، ولا يجوز لأيّ طرف التشكيك بدور وأهداف هذه المحكمة، خصوصاً وأنّها أنشئت بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة، ووفق قرار أمميّ صادر عن مجلس الأمن الدولي، وهو عمليّاً أعلى هيئة دوليّة تتخطّى بصلاحياتها القوانين المحلّية لأيّ دولة لكي تعلو بقراراتها أيَّ قانون وطنيّ.
وهكذا تشير المصادر إلى أنّ المجتمع الدوليّ والأمم المتّحدة لا يعيران الأبعاد المحلّية في نقض نشوء المحكمة أيّ أهمّية، وهما يدركان "كلّ الأبعاد التي تدفع ببعض الأطراف إلى التعاطي مع موضوع المحكمة ببعدها اللبناني المحلّي، كونها تلاحق سلسلة من جرائم الاغتيالات التي وقعت في لبنان".
وتشير المصادر إلى أنّ قوّة الأحكام المُحكمة التي تصدر عن القضاء الدوليّ تكون من اختصاص الأجهزة القضائيّة الدولية التي ترعى أحكامها الأمم المتّحدة، وعند هذا الحدّ، تستغرب المصادر الدبلوماسية بشدّة ما يزعمه بعض الأطراف في لبنان لجهة القول إنّ المحكمة غير دستورية، وتشير إلى أنّها تتوقّع أن تصدر مثل هذه المواقف في المرحلة المنظورة، لا سيّما عندما تبدأ جلسات المحاكمة الغيابيّة للنظر في قضيّة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، والملفّات المترابطة للوزيرين الياس المُر ومروان حمادة والشهيد جورج حاوي.
أسُس دوليّة عامّة
ولكنّ المصادر تتوقّف عند نقطة مهمّة، وهي "أنّ بعض الفئات في لبنان تتناسى عن قصد أنّ المحكمة الدولية الخاصة أنشِئت تحت سلطة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة، وهذا الفصل يشكّل إطاراً قانونيّاً أقوى من القوانين المحلّية لأيّ بلد، لأنّه يعلوها بقوّة الحكم والأحكام، ولهذا السبب فإنّ قضاة المحاكم الدوليّة يعملون وفق أسس دولية عامّة، وإنّ الأحكام التي تصدر عنهم تراعي بشكل تامّ هذه الأسس التي لا تقبل الطعن أو التشكيك السياسيّ بها، على قاعدة أنّ ما تضمنه المحاكم الدوليّة من نزاهة قضاتها تضمنه في الوقت ذاتها للمتّهمين بالدفاع عن أنفسهم، فلا يمكنهم التوقّف عند مرحلة عدم الاعتراف بأحكامها لأنّ هذا يشكل قرينة إضافيّة على مدى صحّة الادّعاءات التي تكون وُجِّهت للمتّهمين".
وتؤكّد المصادر الدبلوماسية أنّ ما أشار إليه السفير فيلتمان لجهة عواقب عدم سداد لبنان حصّته في المحكمة "ينطلق من واقع أن لا حقّ للبنان في رفض دفع حصّته، لأنّ هذا الرفض لا معنى قانونيّا له في منظور القوانين الدوليّة، أي إنّ لبنان كدولة، ومهما تعاقبت الحكومات على الحكم، أعلن التزامه بالهيئة الدوليّة المتمثلة بالمحكمة الدوليّة، وبالتالي لا يمكنه عندما يشاء أن يعلن دعمه لهذه المحكمة، ثمّ يسحب دعمه لها تبعاً لمعطيات الظرف السياسيّ الذي يتحكّم بالبلد، لأنّ لبنان يكون عندها يخالف بكلّ صراحة أحكام القانون والقضاء الدوليّين، ويدخل في مخاطر الخروج على الشرعيّة الدوليّة، وإنّ أيّ طرف أو دولة يشكّك في أحكام القانون الدوليّ يكون عرضة لفرض عقوبات عليه، كونه يخرق القوانين الدوليّة".
وانطلاقاً من هذه الوقائع، تشير المصادر الدبلوماسية إلى "أن لا معنى دستوريّاً أو قانونيّاً لأيّ خطوة تُقدِم عليها حكومة لبنان لجهة التلويح بإعادة البحث بمدى قانونيّة إنشاء المحكمة الدوليّة، وإنّه لا يمكن لأيّ دولة أن تتعدّى بقوانينها على أحكام القرارات الدوليّة، ومنها التي أنشئت بموجبها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان".
وتعتبر أنّ هذا البعد القانونيّ الدولي الذي يغطّي المحكمة الدوليّة لا يمكن تجاوزه من الناحية القانونيّة، وليس حتى من الناحية السياسيّة النظرية، حيث إنّ المجتمع الدولي والولايات المتّحدة سيعتبران حُكماً أنّ الحكومة الحاليّة برئاسة نجيب ميقاتي، وهي من أشدّ المطالبين بتطبيق القرارات الدوليّة المتعلقة بالجنوب اللبناني وبالقضيّة الفلسطينية، تقف في الضفّة المقابلة لجهة تخلّيها عن المحكمة الدوليّة الصادرة أيضاً بموجب قرار دولي عن مجلس الأمن.
وهكذا، تشير المصادر الدبلوماسية في واشنطن إلى أنّه يتوجّب على الحكومة اللبنانيّة أن تستمرّ في التعامل مع المحكمة الدوليّة وإلّا تكون وضعت لبنان في موقف حَرج لجهة دفع بعض الأطراف فيه ومنهم "حزب الله" إلى توريط الحكومة في مشاريعه الإقليميّة، وبالتالي يكون هذا الحزب يعمل على دفع الحكومة إلى الخروج على أحكام الشرعيّة الدوليّة من خلال وقف التعامل مع المحكمة الدوليّة، وهذا الأمر لن يصبّ مطلقاً في خانة المصلحة اللبنانية العليا، بل في مصلحة القوى الإقليميّة، وتحديداً سوريا وإيران اللتين تدعمان أطرافاً محدّدة داخل الحكومة اللبنانية.
وفي ضوء كلّ ما تقدّم تعتبر المصادر الدبلوماسيّة أنّ تحذير السفير جيفري فيلتمان الشديد اللهجة من مغبّة الخروج عن دعم المحكمة الدوليّة يأتي في سياق ما يمكن وصفه بالضربة الاستباقيّة من أجل إسقاط أيّ محاولة إقليميّة في استخدام استهداف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان للردّ على الموقف الدولي إزاء ما يجري من تطوّرات في سوريا وما يحصل من رفع مستوى القلق الدولي من الملفّ القديم المتجدّد وهو ملفّ إيران النووي.