"كبير القوم هل تدري بأنا
نزحنا عن يمينك للشمال
وأنك لم تعد ترمي علينا
سياط الخوف من وهم الخيال"
بعد مشاهدتي لمظاهرة مؤيدة للنظام في ساحة من ساحات دمشق، أسفت لأنه ما زال هناك مواطنون يدعمون هذا النظام، على الرغم من كل الجرائم والارتكابات التي يمارسها ضد الشعب السوري. فما كان من أحد الأصدقاء الذين تخرجوا من احدى جامعات دمشق إلا أن قال لي: "أتعلم يا صديقي كيف تنظم هذه المظاهرات هناك؟"، سوف أحكي لك ما حصل معي يوماً أثناء دراستي هناك، كنا في غمرة الاستعدادات لتجديد البيعة للسيد الرئيس من خلال استفتاء نال حسب ما أذكر فيه أكثر من سبع وتسعين بالمئة من الأصوات.
وهناك خلية لـ"حزب البعث" في كل كلية، لا بل في كل زاوية من الكلية، وتولت هذه الخلايا الدعوة لتظاهرة تأييد مليونية تحت عنوان "تجديد البيعة للأسد الابن". لسوء حظي، قررت أن أستفيد من نهار عطلة وأذهب الى لبنان، بدل المشاركة في التظاهرة، ولم أكن أعتقد أن يكون لهذا التصرف "المشين" أية عواقب، فما الفرق بين مليون مشارك في التظاهرة وبين مليون ناقص واحد!؟. ولكنني عندما عدت في اليوم التالي، تعرضت للتأنيب من رئيس الخلية في كليتي، وفي نهاية الفصل، ورغم أنني نجحت في كل المواد العلمية، وبتفوق، لكنني رسبت في مادة "الوعي القومي" وأجبرت على حمل المادة معي للسنة التالية. بعدها تعلمت الدرس ولم أعد أفوّت عليّ فرصة المشاركة في "الأعراس القومية" إذ علمت عندها سر هذه المظاهرات.
على كل الأحوال، فعلى الرغم من أن عدد المتظاهرين تأييداً تعدى المئة ألف، ولكن العدد كان هزيلاً في مدينة مثل دمشق يفوق تعداد سكانها السبعة ملايين، وبعد أن سمعت حكاية صديقي، فهمت سر قدرة الديكتاتور على جمع هؤلاء، وفهمت بوضوح الفرق بين مظاهرة يرعاها النظام ويحميها ولو كانت مليونية، وبين مظاهرة للمعارضة في ظل نظام متسلط أثبت يومياً قدرته على القمع وعلى سفك الدماء في سبيل المحافظة على تسلطه على البلاد والعباد.
فالمتظاهر لمصلحة النظام قد يكون مقتنعاً في حالات نادرة بالأرجحية الشرعية والأخلاقية للنظام، ولكن في معظم الأحيان، ما يدفعه للمشاركة هو مزيج من الترهيب والترغيب، أو قناعة بعدم القدرة أو الرغبة بالتضحية من أجل التغيير. أما المتظاهر ضد السلطة، في ظل نظام معتاد على الإجرام وله تاريخ حافل بالمجازر بحق المواطنين، فإنه يعلم بأن حياته معرّضة للخطر المباشر عن طريق قوى السلطة وشبيحتها، وعلى أقل تقدير فهو قد يتعرّض لاحقاً للاعتقال والتعذيب أو حتى القتل، ناهيك عن الاضطهاد وقطع الأرزاق وغيرها من الوسائل التي يستعملها هذا النوع من الأنظمة لتطويع المواطنين.
إن انطلاق الربيع العربي أثبت بأن المواطن العربي، وبالأخص السوري، تخلص أخيراً من الأكذوبة التي حكمته على مدى عقود وهي أكذوبة المواجهة والممانعة والتحرير، وهي التي استخدمتها هذه الأنظمة لتسويغ القمع وغياب الحريات العامة وانعدام النمو والتخلّف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي واستمرار قوانين الطوارئ. لقد تحملت شعوبنا كل ذلك أملاً باستعادة الكرامة من خلال الانتصار على العدو. ولكن انكشاف هذه الأنظمة، والنظام السوري اليوم أكد لشعوبنا زيف ادعاءاته بالسعي الى المواجهة والتحرير بعد أن نصب آل الأسد أنفسهم أشباه آلهة ليحكموا الناس الى الأبد وإلى ما بعد الأبد.
إن عقوداً من القمع أدت الى تراكم الشعور بالمرارة والذل، وهذا ما دفع المواطنين اليوم الى اتخاذ قرارات شجاعة تحدت الموت والقمع وانتزعت من قلوبهم الخوف والخنوع الذي سيطر على فكرهم وعلى وجدانهم، وانتزعت أيضاً عنصر الرهبة المتولّدة من الإرهاب الرسمي الذي أدى فيما مضى الى محو شخصية الفرد فحوّله الى جماد، أو الى نوع من الحيوانات الأليفة في قطيع تسوقه مجموعة من كلاب الحراسة.
لقد أكدت الثورات التي انتصرت والثورات التي ستنتصر، بأنها قادرة على تحقيق المستحيل لأنها ترتكز على مبادئ مترسخة في الطبيعة الإنسانية وهي قيم حق الحياة تجربة وكرامة تحت لواء العدل والمساواة.
إنها ثورة على ثقافة الذل والخنوع التي سيطرت على عقولهم وأفكارهم منذ اليوم الأول الذي استولى فيه أصحاب البذلات العسكرية المتعطشون للتسلّط على حياة المواطنين.
غداً عندما تنتصر ثورة الشعب السوري، سيعلم المترددون والانتهازيون والخائفون أنهم فوّتوا فرصة تأتي مرة في العمر للمشاركة في صنع مستقبل البلد لتبقى على جبينهم سمة الجبن والتواطؤ، أما الثوار فلهم مجد المشاركة وفخر الانتصار.