#adsense

الحوار الحقيقي عندما يحين

حجم الخط

منذ فترة غير بعيدة، أطلق الرئيس نبيه برّي دعوة متجدّدة إلى «الحوار».

على أنّ هذه الدعوة تأتي على تقاطع معطيَين رئيسيَين، الأوّل ملموسٌ وحسّي ويتمثّل في قيام الفريق الذي ينتمي برّي إليه بإلحاق لبنان تماما بالنظام في سوريّا وبإسقاط كيان الدولة خدمة لهدف مساندة ذلك النظام، أمّا المعطى الثاني فبصيغة معلومات تتردّد نقلا عن الجهة الأساسيّة القائدة لفريق برّي، أي «حزب الله»، وتفيد أنّ الحزب سيُقدم، في حال سقوط نظام بشّار الأسد في سوريّا، على السيطرة بالقوّة على لبنان «تعويضاً» للخسارة في دمشق!.

ومع ذلك، أي على رغم وقوع دعوة برّي على هذا التقاطع، فإنّ مرجعا كبيرا معنيّا بمسألة الحوار، يؤكّد أنّه تبلّغ من «الثنائيّة الشيعيّة» إلحاحا على انعقاد الحوار!.

بناءً على ما تقدّم، فإنّ قراءة دعوة برّي إلى الحوار بالتقاطعات المشار إليها، تُفضي إلى إحدى نتيجتيَن. فإمّا أنّ الثنائيّة الشيعيّة مقتنعة بالفعل أنّ في وسعها تعويض خسارة نظام الأسد عندما تحصل، وأنّ في وسعها بعد سقوط الأسد أن تبقى في الماضي وأن تفرضَ على لبنان معادلات قوّة أكثر اختلالا ممّا هي عليه الآن، ومتعاكسة على طول الخطّ مع ما يحصل في المنطقة من متغيّرات على رافعة الربيع العربيّ… وهي، في هذه الحالة، واهمة وغائبة عن الوعي تماما. وإمّا أنّ تلك الثنائيّة الشيعيّة باتت تدرك أنّ نظام الأسد لن يبقى، وأنّها باتت تبحث في ما بعد حدث السقوط «الرسميّ»، لكنّها تخشى الإفصاح عن ذلك وتستمرّ في التغطية على ما تفكّر فيه ولو بأسلوب «متكبّر».

في الحالتين، وإن كان التمويه على حقيقة أنّ الثنائيّة الشيعيّة تدرك في قرارة نفسها أنّ صاحبها في دمشق ساقطٌ حتما هو الأرجح، فإنّ دعوة برّي إلى الحوار الآن، ملغومة وأبرز أهدافها إشغال 14 آذار أوّلا، والتغطية على إلحاق السلطة للبنان بالنظام السوريّ ثانيا، وأخذ الفريق المكوّن للسلطة الشرعيّة لما يقوم به بالحوار ثالثا، وقطع الطريق على التغيير اللاحق للسلطة رابعا، والحدّ من اندفاع تفاعل 14 آذار مع الربيع العربيّ عموما والربيع السوريّ خصوصا… خامسا وأساسا.

من هنا، فإنّ الجواب على دعوة برّي من جانب 14 آذار، ينبغي أن يكون «لا» صريحة لحوار «ملغوم»، لحوار محاط بألغاز وطلاسم، لحوار تشكّل الدعوة إليه من طرف برّي مَهربا من مواجهة الحقائق، حقائق المرحلة.

حتىّ الآن تكرّر 14 آذار، في مجال الردّ على دعوات الحوار، موقفا من شِقّين: نعم لحوار إذا كانت إجماعاتُه السابقة تنفّذ، ونعم لحوار حول البند الوحيد المتبقّي من «الحوار السابق» أي «سلاح حزب الله» والإستراتيجيّة الدفاعيّة.

هذا الموقفُ «ليس خاطئا»، لكنّه لم يعُد كافيا.

لم يعد هذا الموقف كافيا، لأنّه موقفٌ من زمن ما قبل الربيع العربيّ، والربيع السوريّ تحديدا.

فما «يجب» أن يُقال هو انّ أيّ حوار لا يمكن أن يحصل ما لم ينطلق المتحاورون المفترضون من مُسلّمة مشتركة، وهي أنّ ثمّة مرحلةً لبنانيّة – عربيّة جديدة لم تعُد تجدي في إطارها «عدّة الشغل» السابقة. وما «يجب» أن يقال أيضا هو أنّ مقاربة الوضع اللبنانيّ الجديد، ما بعدَ الربيع العربيّ، والسوريّ خصوصا، ينبغي أن تُحاكي ربيع لبنان أي مستقبله ودوره في المنطقة.

ذلك أنّ حوارا ينطلقُ من أنّ ثمّة مرحلة لبنانيّة – عربيّة جديدة، ومن أنّ مقاربة لبنان الجديد ينبغي أن تحاكي عناوين السيادة والحريّة، والدولة المدنيّة في امتداد الطائف والديموقراطيّة والعدالة والسلام… هو الحوار الذي يجعل مسألةً من نوع السلاح غير الشرعيّ خارج الدولة مَبتوتة وتحصيلَ حاصِل، إذ لا يمكن تخيّل لبنان المستقبل حاملا معه أورام المرحلة الآيلة إلى الانتهاء.

كذلك، فإنّ حوارا من هذا القبيل هو الحوار بين متساوين في الحقوق والواجبات. فهذا الحوار الذي بنتيجته ينتسب الجميع إلى الدولة بشروط الدولة، هو وحده «حوار اللاغالب واللامغلوب» الذي حملته أدبيّات 14 آذار على الدوام.

بطبيعة الحال، كان هكذا حوار ليكون مهما جدا، لو يحصل الآن بالاستناد إلى الحقائق.

لكنّه لن يحصل الآن، بما أنّ «فريق حزب الله» حتىّ وهو يعلم ما يعلم عن واقع حليفه في دمشق، يراهن على دعمه إلى «اليوم الأخير»، فيما يوكل إلى برّي «الاستطلاع» والمناورة. فلننتظر ونرَ!.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل