#adsense

14 آذار تعيد «أرنب الحوار» الى القبّعة

حجم الخط

بما أن السنوات الست الماضية أكّدت أن الرئيس نبيه بري و"حزب الله" هما طرف واحد مدعوم من تحالف إقليمي واحد، فإنه لن يوجد أيّ سبب للاعتقاد بأنّ استحضار رئيس المجلس أرنب الحوار من تحت قبّعة سحبت منها أرانب كثيرة في السنوات الماضية، لم يكن بطلب أو بتنسيق مع حزب الله وبقبول من النظام السوري الذي حوّل ضعفه المتزايد الى دور استشاري مع حلفائه.

منذ اسابيع فقط، كان البعض في 14 آذار يتوقع أن يعود "حزب الله" الى طلب الحوار، وكان هذا التوقع يواجَه بسخرية تكاد تصل الى حد الازدراء بالقدرة الذهنية لكلّ من يتجرّأ على القول إنّ الحزب سوف يطالب بالجلوس مرة اخرى على الطاولة، فما الذي "عَدا ما بَدا"؟

"حزب الله"، بالتنسيق مع الرئيس بري، فاجأ البعض بطلب إحياء الحوار، ولم يفاجىء البعض الآخر. فاجأ البعض لأنّ مظاهر القوة التي مورست عبر إسقاط الحكومة لم يكن مقدّرا لها أن تستنزف بسرعة على النحو الذي استنزفت به، ما جعل هذه الحكومة قبل أقلّ من شهرين على تكليف الرئيس ميقاتي، وبعد ستة اشهر على تشكيلها، تنتظر إعلان مهمتها ودورها، بعدما أصبحت أشبَه بأم تأكل أبناءها، وبعدما حاصرتها تطوّرات الربيع العربي والسوري تحديدا، وجعلت منها رديفا لنظام يخشى معظم اللاعبين العرب والدوليين حتى من إبقاء شعرة معاوية في العلاقة معه.

لم يطلب "حزب الله" الحوار قبل إسقاط حكومة سعد الحريري وبعدها، لا بل انه ذهب الى حد إعلان الانتصار، والى حد التبشير بأن إسقاط أكثرية 14 آذار لم يكن سوى الخطوة الاولى، التي سيعقبها خطوات تمهّد لإعلان الفوز الكامل. فماذا حصل لكي تهبط الدعوة الى الحوار في توقيت لا يشتمّ منه إلّا تَواؤمه مع قراءة ما يجري في سوريا؟

الواضح أنّ "حزب الله" يقرأ جيّدا ما يجري في سوريا، وهو، وعلى العكس من الدعم المُعلن للنظام، فإنه يتحَسّب لمرحلة ما بعد السقوط. هذه المرحلة التي تطلب لبنانيّا السَعي لوقف اندفاعة المعارضة، ومنعها من تطوير معارضتها ورَمي ورقة الحوار المزعوم في ملعبها، ما يؤدي الى نتيجة من اثنتين: إمّا ان تقبل العودة الى طاولة الحوار فتكون قد أجهضت نفسها بنفسها وأفرغت اي محتوى لإمكانية إسقاط الحكومة، او أن ترفض فترشَق بسهام الاتهام بالسلبية وبجَرّ البلد الى فتنة وفوضى.

على أنّ اللافت في الدعوة الى الحوار التي صدرت عن الرئيس بري، لم يكن الدعوة بحدّ ذاتها على الطريقة التي اعتمدت، بحيث قام رئيس المجلس بجمع الرئيسين ميقاتي والسنيورة في مكتبه على هامش الجلسات العامة لمجلس النوّاب، وتعهد لهم أنّ ذلك يَضخّ كَمّاً من التفاؤل، والتهيئة النفسية لإمكان الجلوس فعلا على الطاولة. وهذا كله حصل بالتزامن مع تشديد الهجوم على سعد الحريري ومحاولة فتح قناة الحوار مع السنيورة، بحيث بدا أنّ قوى 8 آذار قلبت الأدوار والاتهامات، فأصبح السنيورة ممثلا للمرونة والانفتاح، والحريري رمزا للتطرف. وما جرى من تلاسُن اعلامي بين الاخير وبري، لم يكن سوى مؤشر على أنّ الدعوة الى الحوار فقدت أسسها الواقعية، ليس فقط بسبب فقدان الثقة والمصداقية على الصعيد السياسي، بل بسبب انهدام مختلف الجسور في العلاقات الشخصية ايضا.

ويبقى السؤال بماذا ستردّ قوى 14 آذار على هذه المناورة الجديدة التي تشبه حوار الـ 2006 بطريقة معدلة؟

الأرجح أنّ رَدّ 14 آذار لن يتوقف عند المطالبة الشكلية بالالتزام بما لن ينفذ من مقررات الحوار السابق للجلوس على الطاولة، بل ستقول لمن أطلق الدعوة الجديدة: تغيّرَت المعايير، فما كان مقبولا قبل الثورة السورية لم يعد مقبولا بعدها، وإذا كنتم تعتقدون أن تسليم سلاح حركة امل في بداية التسعينيات الذي كان مقابل المكاسب التي نالها الرئيس بري من رئاسة وإدارة، سيتكرر مع "حزب الله" بحيث يكون ثمن سلاحه تغَيّر الطائف باتجاه المثالثة، فإنّ رَدّنا سيكون الرفض، فلا مساومة على المناصفة ولا حوار لنَسف الطائف، والكلام يكون فقط حول العودة الى الدولة وأوّل شروطها تسليم السلاح، وعلى من يراقب جيّدا مسار الأمور أن يَتمعّن في تعهّد الحريري بعدم إعادة انتخاب بري مرة ثانية رئيسا للمجلس، في حال الفوز بالانتخابات المقبلة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل