في ظل إعترافهم بوجود خروقات وخروج عن سيادة الدولة الرسمية
الإهتزازات الأمنية وازدياد عمليات الخطف مصادر قلق للمسؤولين عن الوضع
"مسؤولون كبار في الدولة يعيشون القلق نفسه الذي يعيشه سياسيو المعارضة من عودة مخطط الإغتيال"
يزداد المشهد السياسي تعقيداً مع تزايد حدة الشرخ بين أركان الفريق الحكومي الذي حوّل حكومته إلى حكومات مختلفة الأجندات والأولويات، والسياسات تتحكم بها أزمات المنطقة التي تهب عليها رياح التغيير بسرعة غير مسبوقة، كما تتحكم بها عوامل أخرى كثيرة مبنية على حسابات داخلية من جهة، وحسابات إقليمية مرتبطة بما يحصل في الداخل الإقليمي من جهة ثانية.
فعلى الصعيد الداخلي بات واضحاً الخلاف حتى داخل الحكومة نفسها، على موقع لبنان ودوره، وعلاقته بالمجتمع الدولي، من خلال تعاطيه مع الشرعية الدولية، وما يصدر عنها من قرارات ومنها على وجه الخصوص المحكمة الدولية التي أنشأها مجلس الأمن الدولي، تحت البند السابع خصيصاً لتحقيق العدالة، والاقتصاص من المجرمين، ليكونوا عبرة لمن يعتبر وبما يشكل رادعاً دولياً لوقف مسلسل الاغتيالات السياسية الذي عاد اليوم شبحه يطل على الساحة الداخلية من خلال التسريبات الرسمية وغير الرسمية عن توافر معلومات موثوقة إلى حد بعيد عن مخطط لعودة الاغتيالات السياسية الى الساحة اللبنانية من الباب الخارجي الذي تهزه بقوة رياح التغيير.
ولم يعد سراً أن كبار الرسميين والمسؤولين باتوا يملكون معلومات عن هذا المخطط، كذلك لم يعد سراً أنهم يشعرون بالقلق الشديد على الوضع الداخلي من دون أن يكشفوا النقاب عن حجم وطبيعة المعلومات التي يملكونها على هذا الصعيد.
لكن ثمة ظواهر ظهرت مؤخراً تعزز حالة القلق التي تساور كبار المسؤولين هذه الأيام وتقضّ مضاجعهم، ولعل أبرزها ظاهرة خطف المعارضين للنظام السوري، وإخفائهم، والتي تفاقمت في الأسابيع القليلة الماضية، بشكل كبير من دون أن يصدر أي موقف رسمي ينفي المعلومات التي تتداولها وسائل الإعلام عن ضلوع جهات لبنانية وتحديداً حزب الله في عمليات الخطف والإخفاء التي طاولت حتى الآن العشرات من السوريين المناهضين للنظام السوري واتهام أجهزة رسمية بالضلوع أيضاً في عمليات الخطف كما حصل في مطار بيروت الدولي مؤخراً، وجهات قضائية بالتغطية على هذه الأجهزة، وعلى ما تقوم به مخالفاً للأصول وللقوانين اللبنانية والدولية ولشرعة حقوق الإنسان.
ولم يعد مستغرباً أن تترافق عمليات خطف السوريين المناهضين للنظام ولا يعرف أحد مصيرهم مع معلومات توافرت لدى قيادات المعارضة ومنسوبة إلى وزير الداخلية عن وجود مخطط لعودة الاغتيالات السياسية إلى الساحة الداخلية من الباب الواسع ما يشي بالكلام السياسي إلى اتهام النظام السوري وحلفائه وأدواته في لبنان بالعودة إلى سياسته المعروفة بالاغتيالات لتصفية خصومه السياسيين، كما حصل منذ مطلع العام 2005 وحتى اتفاق الدوحة في أواخر العام 2008، وصولاً إلى صدور القرار الاتهامي عن القاضي الدولي بلمار واتهامه أربعة عناصر في حزب الله بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع مؤشرات تشي بوجود أدلة مشابهة في عمليات الاغتيال ومحاولات الاغتيال التي وقعت في لبنان قبل الرابع عشر من شباط وبعده وحتى توقف هذا المخطط الجهنمي بعد مؤتمر الدوحة والاتفاق الذي انتهى إليه بين كل الأطراف والقوى السياسية اللبنانية المتصارعة على الساحة الداخلية.
حتى أن مسؤولين كبار في الدولة اللبنانية يعيشون القلق نفسه الذي يعيشه سياسيو المعارضة اللبنانية من عودة مخطط الاغتيال السياسي ليفتك بالساحة الداخلية، ويعصرهم الألم لعدم توافر القدرة عندهم لإيقاف هذا المخطط أو الوقوف في وجهه، وتفكيك شبكته ما عرّضهم إلى المساءلة من قبل المعارضة كما جاء في البيان الذي صدر بالأمس عن الأمانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار، وكما جاء في البيان الذي أصدره رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في مساءلة وزير الداخلية الذي نسبت إليه وسائل الإعلام أنه يملك معلومات عن وجود مخطط يستهدف القيادات السياسية في لبنان وتحذيره (جنبلاط) من العودة مجدداً الى عهد الوصاية، وكأنه يشير صراحة الى ضلوع النظام السوري بهذا المخطط.
والوضع الداخلي بكل تشابكاته لا يمكن عزله عما يجري حول لبنان، وفي الداخل السوري تحديداً بشهادة رئيس مجلس النواب نبيه بري حليف هذا النظام بعد زيارته أمس إلى رئيس الجمهورية من أجل البحث في السبل والوسائل التي تفضي إلى استئناف اجتماعات هيئة الحوار الوطني نظراً لدقة الوضع الذي يمر به لبنان في هذه المرحلة، ولما يحدث في سوريا من تداعيات وارتدادات على أوضاعه الداخلية ولا سيما منها الوضع الأمني الآخذ في الاهتزاز بشكل يثير قلق رئيس الجمهورية التي تصبّ في مكتبه يومياً كل تقارير الأجهزة الأمنية والدبلوماسية عن مجمل التحركات والأوضاع لا سيما منها الوضع الأمني الذي يتوقف عليه مصير الحكم برمّته.
واللافت أن هذا الوضع يترافق مع اتساع الهوّة داخل فريق الحكم الواحد، واتساع رقعة التباين حول الرؤية لمستقبل الوضع الداخلي في ظل التداعيات المتسارعة لما يجري في الداخل السوري على الأوضاع الداخلية وقد دخل هذا التباين بين هذا الفريق مرحلة انقطاع بما بات يهدد الحكومة بالشلل ويضعها في حالة جمود وانقطاع عن المخاض الصعب الذي يمر به لبنان، في ظل انعدام المعالجات لأبسط الأمور، وفي ظل استمرار التباين حول مفاصل أساسية، كمثل المحكمة الدولية والموقف من التمويل بعد التباين الواضح بين موقفي رئيسي الجمهورية والحكومة وموقف النائب جنبلاط من جهة، وبين موقف حزب الله وفريقه من جهة ثانية، لأن استمرار هذا التباين وعدم الوصول الى رؤية مشتركة يساعد على انكشاف لبنان على كل الاحتمالات.