#adsense

وزارة للتخطيط

حجم الخط

 

 

 

إنَّ التخطيطَ أهمُّ ميزاتِ الإدارةِ الناجحةِ والفاعلة. فالإدارةُ لا تكونُ بمتابعةِ شؤونِ العملِ وتقييمِ نتائجِهِ وتوفيرِ مقوِّماتِ نجاحِهِ حَصراً، بل أيضاً وخصوصاً برَصدِ المتغيِّراتِ وتوقُّعِ التطوُّرات. فبناءً على استشرافِها للمستقبلِ، تضعُ الإدارةُ بَرنامَجاً قادراً على مواجهةِ المتوقَّعِ، دونَ أن تُغفِلَ الاحتياطَ لغيرِ المتوقَّع. أَما أن تكونَ الإدارةُ غيرَ معنيةٍ بالمستقبلِ وتحدياتِهِ، فلا إحصائياتٍ علميةً ودوريةً تَستندُ اليها، ولا التزامَ ولا جديةَ في العملِ والتعاطي مع الملفاتِ العامةِ، فذلكَ التسيُّبُ بعينِه.

ألم تكنِ الوزاراتُ والإداراتُ المركزيةُ والمحليةُ في لبنانَ كلِّهِ تعرفُ أنَّ المطرَ ينهمرُ في مثلِ هذا الفصلِ من كلِّ عام ؟ ألم يكنْ واجباً على هذِهِ الإداراتِ، تنظيفُ مجاري مياهِ الطرقاتِ منَ الأوساخِ والأتربةِ، كي لا يَحصَل ما حَصَلَ أواخرَ الأسبوعِ الماضي ؟ أم أنَّ منظرَ الطرقاتِ تتحوَّلُ بحيراتٍ والسياراتِ زوارقَ عاجزةً في مياهِها صارَ عادياً بنظرِ مسؤولي الإداراتِ المعنية؟

هل باتتْ معرفةُ أنَّ الثلوجَ ستُكَلِّلُ هاماتِ جبالِنا بالبياضِ في فصلِ الشتاءِ تتطلَّبُ منجِّماَ؟ ورغمَ ذلكَ وفي كلِّ عامٍ تقعُ الواقعةُ ولا خطةَ متكاملةً ولا استعداداتٍ جديّةً منْ قِبَلِ المعنيينَ لتأمينِ فتحِ الطرقاتِ واصلاحِ أعطالِ الكهرباءِ وإسعافِ المُحتاجينَ بالسرعةِ والاحترافِ المطلوبَين.

وقبلَ موسمِ الشتاءِ والثلوجِ كانَ موسمُ الحرائقِ ولم تكنِ الاستعداداتُ كافيةً، وكذلكَ غابَتِ الخُططُ إبّانَ موسمِ الأمراضِ الزراعيةِ وغابتْ خلالَ موسمِ تصديرِ الإنتاجِ الزراعيّ…

ليستِ القصةُ في لبنانَ جديدةً ولا عابرةً، فعندما يَغيبُ التخطيطُ عنْ عملِ الوزاراتِ والإداراتِ كلِّها، تَغيبُ معَهُ المعالجاتُ الجديّةُ ويكثُرُ التلطّي خلفَ حُجَجٍ واهيةٍ للهروبِ منَ المسؤولية. فهذه الطريقُ تُزفَّتُ، ثمَّ تُحفَرُ مُجدداً لتمريرِ تمديداتٍ لم تكنْ ملحوظةً أو لم يُنسَّقْ بشأنِها معَ الإداراتِ الأخرى، وهذا ممرٌ للمشاةِ يُنشأ ثمَّ يُضيَّقُ بعدَ أيامٍ وهذهِ مستديرةٌ تُنَفَّذُ ثمَّ تُزالُ بعدَ أسبوعٍ… والمسألةُ الأقربُ الينا والأكثرُ مساساً بوقتِنا وأعصابِنا ومالِنا، مسألةُ ازدحامِ السيرِ : ففيما تتزايدُ السياراتُ بشكلٍ جنونيٍّ وتَضيقُ بها الطرقاتُ والمواقفُ والساحاتُ، وفيما تصبحُ هذهِ المشكلةُ يوماً بعدَ يومٍ أمَّ المشاكلِ اليوميةِ في لبنانَ، يُنشرُ بعضُ شُرطيّي السيرِ هنا وهناكَ وكأنَّ القصةَ تنتهي بتدبيرٍ مَوضعيٍّ بسيطٍ، في حين أنَّ الحلَّ يتطلَّبُ خُطةً متكاملةً للسيرِ، تأخذُ في الحسبانِ عددَ السياراتِ وتركُّزَّها في العاصمةِ وفي المدنِ، وساعاتِ الازدحامِ وحالةِ الطرقاتِ والجسورِ وإشاراتِ المرورِ، وقانونِ السيرِ خصوصاً، وحسنِ تطبيقِهِ ومدى التقيُّدِ بأَحكامِهِ…

إنَّ القبولَ ببقاءِ الإدارةِ على حالِها، يعني القبولَ بالتسيُّبِ المُستشري في البلادِ دونَ حسيبٍ أو رقيبٍ، ويعني عدمَ إرادةِ الخروجِ منْ هذِهِ الدوامة. فيما تَغييرُ واقعِ الإدارةِ الحاليِّ في لبنانَ نحوَ الأفضلِ، لا يكونُ الا بإنشاءِ وزارةٍ للتخطيطِ تستشرفُ المستقبلَ وتُنسِّقُ مجهودَ وعملَ الوزاراتِ والإداراتِ كلِّها، وتوقِفُ الهدرَ في الوقتِ وفي المالِ العام، وتضعُ حدَّاً نهائياً لحالةِ التسيُّبِ التي أصبحتْ سمةً أساسيةً من سماتِ إداراتِنا العامةِ على اختلافِ مستوياتِها واختصاصاتِها.

المصدر:
إذاعة صوت لبنان 93.3

خبر عاجل