تخطئ القيادة الإيرانية إن تعاملت مع "الاعتراضات" على مشروعها النووي، كما لو انها جزء من النزاع السياسي (العاديّ) المفتوح مع دول الغرب والمنطقة العربية على حدّ سواء.
وفي ذلك الخطأ إن "اعتمد" مؤشر الى هدف من اثنين: إما أن القيادة الإيرانية تعرف تبعات التصعيد الى ذراها، ومع ذلك تريدها في سياق رؤاها الخلاصية المعروفة! وإما انها تحاول التسلل تحت ضجيج الصوت العالي لفرض أمر واقع نووي يكون في يدها أهم عامل جذب لحوار مع الغرب موضوعه الأول التسليم بقدراتها وطموحاتها ومصالحها في المنطقة ومدارها الإقليمي الأوسع.
في تفتيت حَصى ذلك الخطأ، لا تفيد الخطوة الناقصة، ولا يفيد نصف القراءة في هذا البيان.. يعني ان يُقال إن الغرب يعاني أزمة مالية طاحنة، وانه يجرجر أذيال الخيبة والخسارة في العراق وأفغانستان، وان دُوَلَهُ الأساسية تعيش في مرحلة انتقالية تطغى عليها الانتخابات العامة وطقوسها، وان روسيا والصين ووئام وهاب معنا.. وأن كل تلك التوليفة ستمنع اتخاذ قرار كبير بالمواجهة العسكرية.. كل ذلك قد يكون صحيحاً في أي موضوع ثانوي، لكنه ليس صحيحاً أبداً في الموضوع المركزي، أي السلاح النووي.
في اللحظة التي يتأكد الأميركيون وصحبهم (أينما كانوا) ان إيران قطعت خط الرجعة في سعيها الى إنتاج سلاح نووي، فإن الحرب عليها ستكون حتمية، وخارج نطاق كل حساب وأي حساب.. بل هي ستكون أكثر "حرب شعبية" من نوعها في تاريخ الغرب منذ الحرب العالمية الثانية!
من المهم جداً الانتباه والتدقيق في هذه الخلاصات: حربا أفغانستان والعراق أحرجتا إدارة بوش. وقبلهما دمّرت حرب فيتنام إدارة نيكسون، وزعزعت النسيج الاجتماعي والسياسي الأميركي برمّته.. إلا أن حرباً ضد امتلاك إيران قنبلة نووية لن تكون، بالنسبة الى شعوب دول الغرب والشرق، قبل حكوماتها وكياناتها السياسية والفكرية والاقتصادية، إلا واجباً مقدّساً لا بدّ من اتمامه مهما عظمت الأكلاف!
إحتمل ويحتمل النزاع المفتوح منذ ثلاثين عاماً بين إيران والكرة الأرضية، كل ضرب مهما كان موجعاً. من التفجيرات الانتحارية الى السيارات المفخخة الى الخطف والنسف الى الحروب المباشرة، الى العقوبات الاقتصادية في كل مراتبها وصنوفها وأموالها.. لكنه لا يحتمل في لحظة ذروته، خلخلة إيران (الحالية!) معادلة الوجود من خلال امتلاكها قدرات تدميرية شاملة. هذه مسألة خارج حدود النقاش والاجتهاد.
.. قبيل غزوه الأرعن لدولة الكويت، حمل صدام حسين في يده قطعة صغيرة هي جزء من سلاح استراتيجي، ولوّح بها أمام شاشة التلفزيون مهدداً بحرق نصف إسرائيل إذا مُنعت بلاده من إكمال بناء ذلك السلاح! النتيجة الوحيدة لذلك الاستعراض الأهوج كانت تدمير العراق بأمه وأبيه ونظامه وبعثه وعشائره وقوته وصناعاته وجيشه وأرضه ومن ارتاح تحتها ومشى فوقها!
.. وعند بدء انكشاف أستار المشروع النووي الإيراني، بمساهمة مباشرة من القذافي كما يعرف الإيرانيون جيداً، نُسب الى الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك قوله في مقابلة مع إحدى الصحف الأميركية الكبرى الآتي: "لماذا تريد إيران امتلاك قنبلة نووية؟ ألا تعرف قيادتها انه في الثواني العشر الأولى لإطلاق تلك القنبلة ستمحى طهران عن وجه الأرض"؟!.
القول سُحِبَ من التداول، وإدارة شيراك كذّبته، فيما أكدت الصحيفة الأميركية انها تملك دليلاً صوتياً حاسماً له.. لكن الأهم من النفي والتأكيد هو ان الرسالة أُرسلت على أمل أن تكون قد وصلت.
وبعد ذلك، تبقى الأسئلة ضاجّة بالقلق: ماذا تريد القيادة الإيرانية؟ وما هي حدود المراوغة القصوى؟ وما هي الحسابات الأخيرة التي تفرّق بين الانتحار الواعي أو الغاشي وبين الدفاع المقدّس عن الذات؟ ثم أين هي في نهاية المطاف حسابات الخشية من رب العالمين في التلاعب بمصائر المسلمين بهذا الشكل؟! أي مشروع امبراطوري هذا؟!