لا يستطيع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في سعيه للبقاء اطول فترة ممكنة في الحكم ان يستمر في لعبة شراء الوقت، لانه يعلم جيدا ان مضاعفات الاخطار الداهمة داخليا وخارجيا وتداعياتها، لن تقتصر عليه وعلى حكومته فحسب، بل انها ستطول بنتائجها الكارثية، الشعب والوطن والدولة سواء بسواء، ولا تنفع في هذا الـمجال لا سياسة «البهورة» ورفع السقف، واعتبار ان هذه الحكومة، بمن فيها ومن يقودها، قادرة على مواجهة كل العالم، ولا سياسة التطـمين والترقيع والكلام المنمّق، وتوقيع شيكات من دون رصيد، وحال رئيس الحكومة في هذا المجال اشبه بحال ذلك الشخص الذي اندلعت النار في احدى غرف منزله، فانتقل الى غرفة اخرى، متكلا على النار ان تنطفئ تلقائىا، وهكذا دواليك الى ان التهمت النار كامل البيت.
منذ تشكيل هذه الحكومة، وحتى قبل ذلك، ارتفعت اصوات في المعارضة، تنبّه الى عواقب الوقوف في وجه المجتمع الدولي والدول العربية وقرارات مجلس الامن، خصوصا تلك الصادرة تحت الفصل السابع، مثل موضوع المحكمة الدولية من اجل لبنان، ليس لأن الله اوجد هؤلاء وكسر القالب، بل لأن لبنان بحكم وجود اسرائىل على حدوده الجنوبية، وما تمثّله من عدوانية دائمة، بحاجة الى دعم من الدول التي تتحكم بمصير العالم، حتى ولو كان عدد من هذه الدول يقدّم مصلحة اسرائىل على اي مصلحة عربية اخرى، ولنا تحديدا في القرارين 425 و1701 خير دليل على ذلك، على الرغم من خرق اسرائىل هذه القرارات وعدم تنفيذها تنفيذا كاملا، ولكن لبنان لا يستطيع ان ينتقي من سلة هذه القرارات ما يعجبه او ما يناسبه، ويرفض او يتلكأ او ينأى بنفسه عن تنفيذ ما التزم به مثنى وثلاث ورباع، على لسان رئىس البلاد العماد ميشال سليمان ورئىس الحكومة نجيب ميقاتي وعدد كبير من الوزراء واكثر من نصف عدد النواب ومن نصف عدد الشعب اللبناني.
ان شراء الوقت في ظروف غير مؤاتية كالظروف التي يمرّ بها لبنان، لا يمكن ان يكون رهانا رابحا، خصوصا ان الازمات الداخلية، كقضايا الاجور، واستفحال الغلاء، وارتفاع معدلات البطالة، وهجرة الشباب، وعدم استقرار الامن الاجتماعي، وعجز الحكومة عن اخذ القرارات السليمة في التعامل مع السوريين الهاربين من نار المعارك في بلدهم، او اللاجئىن السياسيين، من شأنها وحيدة ان تسقط الحكومة وتشلّ الدولة ومؤسساتها، فكيف نضيف طوعا ازمات اخرى اكبر حجما واكثر تأثيرا على الاقتصاد اللبناني، والمصارف اللبنانية، ومؤسسات الدولة المهمة، مثل الجيش وقوى الامن الداخلي وعلى تنقّل اللبنانيين وسفرهم وتبادلاتهم التجارية.
اينما ذهب المسؤولون اللبنانيون، لا يسمعون سوى كلام التشديد على وجوب ان ينفذ لبنان التزاماته تجاه شعبه اولا، وتجاه المجتمع الدولي ثانيا، لأن الموقف هذا يصبّ في مصلحة لبنان اولا واخيرا، خصوصا ان اي اشتباك بين لبنان والامم المتحدة ودول العالم ستكون اسرائىل المستفيدة الوحيدة منه، على عكس الرأي القائل ان التزام لبنان بالقرارات الدولية يصبّ في مصلحة اسرائىل.
***
من غير المقبول ولا المعقول، ان تتحكم اقلية نيابية وشعبية بمصير وطن وشعب، لمجرّد انها في ظل ظروف امنية ضاغطة تمكنت من اسقاط حكومة وتشكيل حكومة اخرى تملك فيها اكثرية وزارية للظروف الامنية ذاتها التي ادت الى تشكيل هذه الحكومة على الصورة الحالية.
ولا يكفي ان يقول رئيس الحكومة ان القطاع المصرفي هو السند الاساس والوحيد للاقتصاد الوطني والاستقرار المالي، وان كلمات «يجب ويفترض ولازم» ان نحترم القرارات الدولية وننفذها وخصوصا تمويل المحكمة الخاصة بلبنان، هي كلمات لا تصرف في المصارف اللبنانية ولا العربية او الدولية، واكثر من رئيس او مسؤول اجنبي او عربي، اكّدوا ان التعويل يكون على الافعال وليس على الاقوال، وهذا يعني انه اذا كانت جميع هذه التنبيهات والتحذيرات والاسئلة المباشرة وغير المباشرة، لم تفعل فعلها في ايقاظ اهل كهف الحكومة، فعلى اللبنانيين عندها ان يقولوا، على لبنان السلام، وهذا القول ليس من عنديّاتي، بل هو مبني على حديث سمعته من احد الوزراء الذين يفتخر بهم لبنان، لأنه يحب لبنان فوق كل شيء، ولأنه يحترم نفسه كثيرا، ولأن مصلحة اللبنانيين تأتي في اولوياته، وهـذا الوزير الذي يقول انه اذا قال علنا كل ما يعرف عما يعانيه هذا الوطن من مصائب، قد يـحدث كلامه ما يشبه الهزّة الارضية، صدّقوه لانه صادق وحزين وموجوع لما وصلت اليه الاوضاع السياسية والاخلاقية والوطنية والانسانية في هذا البلد المنكوب ببعض ابنائه.
لا تراهن على شراء الوقت يا دولة رئيس الحكومة، فالمراهنة في نهاية المطاف لا تنتج سوى الخسارة.