#adsense

التوجه الأميركي الجديد

حجم الخط

هيلاري كلينتون، وزيرة خارجية الولايات المتحدة، نشرت حديثاً في مجلة Foreign Affairs، التي تعتبر بمثابة مسرح مفتوح لاختبار الافكار الاستراتيجية، مقالاً طويلاً ركزت فيه على الدور الاميركي المطلوب مستقبلاً. والامر الذي يسترعي الانتباه انها ترى ان التركيز جغرافياً ينبغي ان يكون على البلدان الآسيوية – من الهند غرباً، الى الصين، وكوريا، وفيتنام، واندونيسيا، وحتى بروناي واوستراليا.

وتؤكد كلينتون ان الولايات المتحدة، بعد خروجها عسكرياً من العراق وأفغانستان في نهاية هذه السنة وتخلصها من الأعباء المالية المرافقة للوجود العسكري والمواجهات في البلدين، ستكون في وضع افضل لمتابعة إستراتيجية مفيدة على الصعد الديبلوماسية، والامنية والاقتصادية في المنطقة المشار اليها.

وحسب نظرتها ان منطقة شرق آسيا المنتشرة على المحيطين الهندي والهادئ تضمّ اكثر من نصف سكان العالم (فالصين والهند وحدهما تشكلان 36 في المئة من سكان الكرة الارضية البالغ عددهم سبعة مليارات)، وتستهلك من الطاقة نصف الحاجات العالمية، وتحتوي على مصادر مهمة للطاقة في أندونيسيا، وبروناي والصين (الفحم الحجري) واوستراليا، وصادرات هذه البلدان مجتمعة ربما شكّلت 60 في المئة من حجم التجارة العالمية.

وتعتقد وزيرة الخارجية الاميركية ان الولايات المتحدة اضطلعت بالدور الرئيسي في تأمين الاستقرار في هذه المنطقة مدى 50 سنة، وانها وفرت التكنولوجيا الحديثة لأهم البلدان فيها مدى خمسة عقود، وهي تستفيد حالياً من التقدم التكنولوجي في بعض البلدان الآسيوية، واخصها اليابان. كما تعتقد ان المستقبل الاقتصادي على نطاق عالمي يرتهن بالتطورات في هذه المنطقة التي حققت نمواً متسارعاً في السنوات الاخيرة، وباتت من اركان الدول الـ20 التي اعطيت مسؤولية اصلاح النظام المالي والاقتصادي العالمي منذ تشرين الثاني 2008 على عتبة تسلم الرئيس أوباما السلطة الرئاسية في الولايات المتحدة.

وتدعو الوزيرة كلينتون الى تعاون وثيق ومتوسع مع الصين، وتقول إن ثمة مجالات عدة للتعاون بين البلدين في مجالات المحافظة على البيئة (والصين صارت الملوث الاول عالمياً لاعتمادها على الفحم الحجري لتوليد الكهرباء) ولان عدد السيارات في الصين تجاوز الـ40 مليون سيارة، ويتزايد بسرعة تفوق سنوياً عدد السيارات المبيعة في الولايات المتحدة أي 12 مليون سيارة سنوياً.

كذلك ترى ان الولايات المتحدة يمكنها دعم مسيرة النمو في جنوب شرق آسيا، بفضل الموارد المالية لديها – وهذا امر حقيقي اذا استمرت الولايات المتحدة في اضعاف سعر عملتها – كما التفوق التقني، والولايات المتحدة توفر العلم لـ350٫000 طالب جامعي من المنطقة في الجامعات الاميركية. وهي لا تذكر امرين مهمين هما ان كلفة هؤلاء الطلاب الوافدين اصلاً من الصين، وهونغ كونغ، واليابان، والهند تبلغ 35 مليار دولار وهذا دخل كبير للاقتصاد الاميركي، كما ان الطلاب من الصين والهند يتميزون بمستوى معارفهم في مجالات العلوم والتكنولوجيا عن زملائهم الأميركيين، والعديد منهم ينضمون بعد التخرج والتخصص الى الشركات الاميركية، وتالياً فان الافساح في مجال اكتساب العلوم المتقدمة لطلاب البلدان المتاخمة للمحيط الهندي والمحيط الهادئ لا تعتبر بمثابة خدمة بل هي استثمار في مستقبل الولايات المتحدة، ودورها الاقتصادي في المنطقة. وتشير الوزيرة الأميركية الى ان على الولايات المتحدة رعاية استثمارات شركاتها في الصين والبالغة 50 مليار دولار.

وكان عليها ان تقر بأن نجاح شركة "جنرال موتورز" – التي كان يقال في السابق انها ما دامت بخير فالاقتصاد الاميركي بخير – في تفادي الافلاس يعود الى مبيعاتها في الصين حيث هي تصنع سيارات "كاديلاك" التي تعتبر السيارة الفخمة في الصين ومبيعاتها فاقت ما سوقته الشركة في الولايات المتحدة، وكذلك هو حال سيارة "شفروليه"، وكلتا السيارتين من تصنيع "جنرال موتورز”.

لا تنسى الوزيرة كلينتون التركيز على هدفين تعتبر انهما ضروريان لإنعاش الاقتصاد العالمي. فمن ناحية تقول ان على الصين تحفيز الطلب الداخلي، وهذا هدف محق لان الصين باتت اكبر دولة مصدرة في العالم في حين أن مستورداتها لا تتناسب مع حجم صادراتها، الامر الذي أتاح لها تملك 45 في المئة من مجمل الاحتياط العالمي من العملات الحرة، أي ما يوازي 3،2 تريليونات دولار – من أصل سبعة تريليونات دولار – وهذا الاستهداف يتماشى مع السياسة الخمسية الصينية التي وضعت قيد التنفيذ. ومن ثم تطلب كلينتون من الصين رفع سعر صرف عملتها بحيث تنخفض قدرتها التنافسية، وتالياً تنخفض صادراتها وتزيد وارداتها، الامر الذي تعتبره الوزيرة ضرورياً لاستقرار الاوضاع الاقتصادية العالمية.

والواقع يفرض ان تنظر الوزيرة الاميركية الى سياسات بلدها بالنسبة الى سعر الصرف. فالسياسات الاميركية التي تفلتت من اية قيود وضوابط خلال السنتين المنصرمتين خفضت سعر صرف الدولار الى حد اعاد للولايات المتحدة دوراً رئيسياً في مجال التصدير في مقابل الاوروبيين، وقاربت الولايات المتحدة اللحاق بالصين في مجال زيادة الصادرات. لكن خفض سعر الدولار ازاء الاورو، والذهب والسلع لا تنظر اليه كلينتون من الزاوية نفسها التي تحاسب الصين عليها، أي تأخير رفع سعر العملة الصينية. وجدير بالذكر ان الشركات الاميركية تحقق مداخيل كبيرة من الصادرات الصينية، كشركات مشاركة في التصنيع ومتولية للتسويق سواء في الولايات المتحدة او في اسواق اوروبا الغربية.

على المستوى الاستراتيجي، هنالك أمران لافتان في مقال الوزيرة كلينتون الطويل والشيق. فهي تشير الى ان الولايات المتحدة تستطيع المساهمة في نمو البلدان الآسيوية، كما فعلت بعد الحرب العالمية الثانية في اوروبا الغربية، إذ مكنت الدول الاوروبية من النمو وتنويع انتاجها، وحتى منافستها هي نفسها تقنياً. وتقول إن اوروبا مدينة للولايات المتحدة بنهضتها، وفي الوقت عينه ان الولايات المتحدة حققت منافع كبيرة ولا تزال من تطور اوروبا، ومن ثم تقف عند هذا الحد. ويبدو المستقبل من مقالها مرتكزاً على التعاون مع البلدان الآسيوية.

وهنا تبرز ظاهرة اغفال لافتة. فروسيا لا تحظى باهتمام كبير، في ما عدا ملاحظة بسيطة عن ضرورة تطوير العلاقات المتحسنة، علماً بان روسيا من البلدان الرئيسية من حيث تأمين مصادر الطاقة للبلدان الآسيوية. ومع انهاء انابيب النفط والغاز الى الصين في السنتين المقبلتين سوف تكون روسيا المصدر الاساسي للطاقة في الصين، واليابان، ولا يغرب ان البال عن فلاديفوستوك على المحيط الهادىء لا تبعد سوى مئات الاميال عن اليابان.

وقت تدعو كلينتون الولايات المتحدة الى التركيز على البلدان المتاخمة للمحيط الهندي والمحيط الهادئ دونما التفات يذكر الى روسيا، نجد ان روسيا تقربت بشكل ملحوظ من اوروبا الغربية، ولا سيما بانجاز المرحلة الاولى من خط غاز الشمال الذي يوفر الغاز تحت البحر من روسيا الى شمال المانيا مباشرة، وذلك بواسطة شركة تابعة للشركة الروسية العملاقة "غاز بروم" التي يرأسها المستشار الالماني السابق غيرهارد شرودر، وذلك تدعيماً لهدف تزويد اوروبا بنسبة 50 في المئة من استهلاكها من الغاز الطبيعي سنة 2020. أضف ان روسيا ابدت استعداداً للمساهمة في حلحلة المشاكل المالية الاوروبية، بشراء سندات حكومية ايطالية، وربما توفير دعم ملحوظ قد يتخطى الـ50 مليار أورو، للصندوق الاوروبي الذي أُنشىء لغاية دعم الدول والمصارف المواجهة لصعوبات، وتالياً توثق روسيا علاقاتها الاوروبية، وهي الدولة الآسيوية – الاوروبية في آن واحد. وفي الوقت ذاته وعلى الطرف الآخر تسعى الولايات المتحدة الى دور استثنائي مع الصين، واليابان، وكوريا، وفيتنام، والهند، واوستراليا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل