عدا كونها إحدى عجائب الدنيا بجمال تكوينها وأناقتها وندرة ما جادت به الطبيعة عليها، تستحق مغارة جعيتا ان تكون الأولى، والمفردة، والمتفوقة بين العجائب الطبيعية كلّها. هنا وفي كل مكان.
واللافت والمدهش أنها لا تزال تجود بالمزيد من الإبداعات التي تختزنها، ومما ستكشفه الايام والأبحاث المستمرة، والتي يجدر بالقيّمين على المغارة المثابرة والمتابعة بلا كلل أو توقّف.
رائع، بل إنه لحدثٌ عظيم وجود مثل هذه المغارة في بلد الاهمال والاستلشاق والجهالة، والتي شاء لها القدر وعوامل الغيب ان تكون جغرافياً من حصة اللبنانيين الذين يتقنون أساليب تدمير الثروات الطبيعية، والقضاء على كل ما هو غرائبي وعجائبي ومميّز في هذا البلد.
فكم دمّرت تحفٌ، وكم اختفت "عجائب" وآثار، وبكثير من الحقد، المرفق أحياناً، بالنكايات والكيديّات. ناهيك بأولئك الباحثين عن المنفعة الشخصية، ولو باعوا أثمن المكتشفات بأبخس الأثمان.
لا يمكن تجاهل حجم الأذى والتشويه، وحجم الأضرار والخسائر التي يلحقها أمثال هؤلاء بما جادت به الطبيعة، وبهذه "المنحة الإلهية"، وبكل فظاظة واستهتار وأنانية.
لا قيمة للعجائب والتحف الطبيعية عندهم، وان أدت تصرفاتهم وجهالتهم الى تبديد هذه الثروة النادرة المنتشرة في كثير من مناطق العشرة آلاف وأربعمئة واثنين وخمسين كيلومتراً مربعاً.
وكم من جعيتا صغيرة دُمّرت؟
وكم من آثار تاريخية نُهبت؟
براً وبحراً. جبلاً وشاطئاً. ينابيع وأنهراً وسواحل وسهلاً. وهاداً. وغابات عذراء تكاد تختفي وتتآكل هي وما تحويه وديانها من ابداعات الطبيعة وعواملها والسنين.
نعتزُ بجعيتا اليوم وكل يوم. ونصوّت لها. ونحافظ عليها وعلى العجائب الأخرى في بعلبك، وطرابلس، وجبيل، وصيدا، وصور وعرقة، والجنوب والشمال مثلما تحافظ الهدب على الأعين. ومثلما يحافظ الأهل على الأولاد والعائلة.
ولكن، ما العمل مع الذين أعمت المنفعة والقروش بصيرتهم، وجعلهم اندفاعهم نحو الثراء يشوّهون كل شيء تقريباً؟
ناهيك بما "تنجزه" الكسارات، ومقالع الحجارة، والمرامل، والمفاحم من خدمات جلّى لصون الثروات الطبيعيّة وتبديدها… فضلاً عن جبال الزبالة التي ارتفعت "قممها" وصروحها على الشواطئ، وداخل البحر الذي يكاد يستغيث بعدما حولوه بدوره "مكبّاً" للنفايات الثقيلة، والحيوانات النافقة، ودواليب السيارات المستهلكة، وأكياس النايلون، وما لا يحتاج الى شرح وتعداد.
كان في ودّنا التوجّه بنداء الى اللبنانيين ليرأفوا ببلدهم، وعجائبه، وثرواته الطبيعيّة النادرة، ولكن. ولكن، لقد أسمعت لو ناديت حيّاً، و لكن لا حياة لمن تنادي.