#adsense

جامعة “الأضاحي” العربية!

حجم الخط

"عيدٌ بأي حال عدت يا عيد"، بات مثلاً يضرب للتعبير عن مآتي الأعياد في أزمنة البؤس، والمصائب. إنه عيد الأضحى. والعالم الإسلامي والعربي يحتفل به. عندنا (وعند سوانا) وعلى امتداد خمسين عاماً، كان الشعب العربي يحتفل بالأضحى وهو الأضحية. ينحر "الخرفان" (بحسب الطقوس) وهو منحور. وهكذا في "الجمعة العظيمة" و"الجلجلة" حيث يطرق المسيحيون العرب درب الجلجلة مرة في العام، وهم يمشونها كل يوم، الأضحى والجلجلة، مناسبتان لهما وقعهما "الديني"، لكنهما من المعاناة اليومية التي يعيشونها، في ظل أنظمة قاتلة، وقامعة، وسافحة، وذابحة، وسارقة، جعلت من كل أيامهم جلجلة وصلباناً وأشواكاً، وجعلت منهم أضحيات مستمرة تنحر على مذابحهم الملعونة. كيف يكون المحتفي بالأضحى ضحية؟ أف! كيف يحتفل بدمه قبل أن يحتفل بالأضحية؟ كيف يصير هو "العيد" والدم (والجلجلة)، والموت، على أيدي الطغاة. "أضحية" طويلة عمّرت اكثر من نصف قرن، كان الجزّارون فيها يتاجرون بالدم، وبالأجسام، وبالأرواح. آه! من الجزارين! آه! من سكاكينهم المشحوذة بأعناق ناسهم! عيدٌ… بأية "أضحية"، عدت يا عيد! من الأضحية المتكررة والذبيحة الإلهية (عند المسيحيين) المتكررة! أعناق المسلمين والمسيحيين واحدة واحدة. والذبيحة واحدة. والجزّارون واحد!

في مصر خالد سعيد بداية الأضحيات، بداية جلجلة القيامة في 25 يناير. في تونس مفتتح الأضحيات محمد بوالعزيزي، أحرق نفسه عندما لم يجد وسيلة أخرى ليقول "أنا موجود". في لبنان الأضحية الكبرى الشهيد رفيق الحريري، وشهداء ثورة الأرز… بعد جلجلة طويلة من "الأضاحي"، أيام الوصاية السورية، وبمناجلها ونارها، وخناجرها…دائماً الدم. النار. السقوط أمام الأنهر. دائماً ذبيحة للقيامة. دائمة أضحية للعيد: للانتصار على الموت. الانتصار للحياة!

اليوم، في سوريا، ألف عيد للأضحى هناك! وألف احتفال بالدم. وبالنار. وبالخراب. والدمار. والقتل. حتى امتلأت السماء والأرض بأنفاس الشهداء، وبصراخهم، وبصمتهم! أي عيد! نعم! وهل بقي للسوريين أن يميّزوا بين أجسادهم الممهورة للذبح، وبين الذبائح "الإلهية": توحدت الذكرى، والمعاني، والرموز، واختلطت التواريخ بالصور والجنون والحرائق: مشهدية واحدة في حمص ودرعا وحلب وحماة ودير الزور وإدلب والغابون وتل كلخ…. صورة بانورامية واحدة متحركة من الموت، ومن القيامة: كيف تصبح لحظة الموت الشهادة قيامة: المسيح قام في اليوم الثالث من قبره، هناك في سوريا يقوم الشهداء لحظة سقوطهم! كما تكون التربة لحظة الولادة. ولادة من ولادة إذاً. وشهادة من شهادة إذاً. كأنما لا يرث الشهيد سوى الشهيد. ولكن أي ثمن هذا لا يفرق بين منح الحياة والاتحاد بالموت. أي سفّاح هذا لا ينتبه كيف أنه في آلته القاتلة "يحيي" "الرميم" ويبعث "الضحايا": أي سفّاح هذا لا يميّز بين الأضحية التي تصير شعباً، وبداية، ولوناً، وناساً، وأطفالاً، ونساء، يضجون بدمائهم، ضجيجَهم يتجاوز الموت. يُفرّخون من موتهم كما تفرّخ الطيور من بيضها. يفرّخون من تربتهم كما تفرّخ الطيور من أعشاشها: أي قبر يصير عشاً. أي عش يصير قبراً. وأي طاغية يدفن كل ضحية لتقوم، ويُدفن الى الأبد. هنا تبدأ مقولة "من الأبد الى الأبد"، عندما يسبق الطغاة ضحاياهم الى النهاية. فالشهداء يعودون دائما والطغاة يرحلون مرة واحدة الى الأبد. فالموت عدوى. والشهادة عدوى. والطغيان عدوى. عدوى لا تُرَدّ. عدوى تخترق الأنسجة. والأجسام. والعقول. الخمسون سنة الأخيرة سرت عدوى الطغاة في عالمنا العربي، سريانها، في التوقيت ذاته في فلسطين، عندما جمع طغاة بني صهيون بطغاة الأنظمة العربية عدوى القتل، والاغتصاب، والمجازر، إنها العدوى التي عُقدت بين طغاة إسرائيل وطغاتنا: فكان حلف الدم، والشرّ، ونحر "الأضاحي" العربية هنا وهناك، بالأسلحة ذاتها، وبالبربرية ذاتها. جعل هؤلاء الطغاة في الكيان الصهيوني هناك، وهؤلاء الطغاة في ظهرانينا من مصر الى سوريا الى لبنان الى اليمن الى تونس الى ليبيا هذه المناطق العربية جلجلة دائمة، سجوناً مفتوحة، أنهراً من دماء، مسالخ لا تنضب أضحياتها: جعلوا الشعوب العربية في أعياد "أضحى" و"جلجلة"، دائمة: هم يذبحون وهؤلاء ينحرون وعليهم أن يحتفلوا بدمهم المهراق، وبأجسامهم المعدومة، وكأنما سباق محموم جرى بين طغاة إسرائيل وطُغاتنا على من يسجل الأرقام القياسية بالقتل: تعادلوا في قتل العرب. الجلادون هناك يسمون أعداء والجلادون هنا (عندنا) يسمون "أبطالاً" و"مقاومين" و"صامدين" و"متصدين" و"ممانعين"! يا للخرافة الواقعية. يا للواقعية السحرية. يا للخيال العلمي وغير العلمي. بل يا للخيال المُبتذل.

في عيد الأضحى، قبل أيام. وفي ثورة "الأضاحي" اليوم، (وكله مستمر)، ما يُذهل. وما يُندي الجبين عاراً. كيف لأناس، أياً كانوا، أن يساعدوا الجزار على ذبح أضاحيه. أي ضمير معدوم، مُعدَم، بائس، مخذول، يدين الضحية، ويستخدم كل بلاغاته الخشبية، واستعاراته و"أسلحته السياسية" والمخابراتية، ليحرض على مزيد من القتل. فالأضاحي هنا ليسوا فقط رجالاً. ولا مسلحين. ولا فتياناً. وإنما أيضاً أطفال ومرضى ونساء وكواكب و"حرائر"! بأي وحشية صاعقة يقف "زعماء" (قلت زعماء!) ومفكرون، وشعراء، وممثلون، الى جانب الطاغية، حاملاً آلاته الجهنمية على أهله؟ بل كيف يمكن مؤسسات حزبية ودينية أن تحوّل المعاني الإنسانية والدينية نفسها، الى بنود تبشّر بالخراب، وبدعم الحملات الهمجية، تحت ذرائع كمثل "أن الضحية هو القاتل"، وهو "الإرهابي"، وهو "المخرب" وهو "العميل" وهو "الخائن" وهو "الخارج على النواميس". أي قلنسوة مسيحية، وعمامة إسلامية أو حتى خوذة عسكرية، يمكن أن تخبئ مثل هذه القسوة، والظلم، والتواطؤ ضد الضعيف، والمحروم، والخائف، والهارب، والمواجه بجسمه الحي، وبرموشه، وبصوته، وبقوة إيمانه؟ أي مفهوم للأديان هذا، يستعاد اليوم عند بعضهم من القرون الوسطى، يضخ الظلامية الدموية، ويغطي المجازر، بقداديس سوداء، وبخطب جهنمية! فالذين تظاهروا في مصر اتهِموا بالخيانة. وكذلك في تونس. واليمن. وليبيا. وسوريا. لسبب بسيط أنهم يطالبون مفتدين أنفسهم بالحرية، والكرامة، والعدالة، واللقمة الشريفة الطيّبة، ودولة السواسية، وتكافؤ فرص العمل والإنتاج. أترى على هؤلاء المنتفضين أن يكونوا أشباه طغاتهم من قطاع أعناق وطرق وسجّاني الملايين، لكي يكسبوا احترام العالم. الآن هؤلاء يتقدمون عُزلاً بلا نصير لهم سوى "الله"، وإيمانهم بوطنهم، وبصنع مصائرهم، وبحماية أنفسهم وأولادهم من الاستبداد، والاستغلال، لكي يُعاملوا كنوافل. كـ"أضحيات"، كذبائح، كفرائس للدبابات، والقناصين والطيارين، والشبيحة؟ كأنما العالم كله يحمل اليوم، بأنظمته ودوله ومؤسساته وقوانينه الإنسانية والأخلاقية سكاكين الطغاة ذاتها، ليساهم عبر ثرثراته المعلنة الكاذبة، ومُهَلِه المفتوحة على القتل والذبح. فالجامعة العربية هذا هو دورها اليوم. كما كانت دائماً "جامعة الطغاة العربية"، تحتال على الشعب السوري، وتبيعه كلاماً تافهاً، وهي بأفاقيها، ومتواطئيها، تحاول، عبر استدرار المواقيت الضائعة، أن تمنح الفرص لمن يقتل أن يستمر في القتل، ولمن يدمر المدن أن يستمر في التدمير، ولمن يحاول قمع الثورة أن يستمر في قمعه، ولمن يحاول إنهاء الانتفاضة بالقوة وبالبطش أن يستمر في عملياته. أوليس هذا ما حصل في لبنان على امتداد نصف قرن، عندما كانت هذه الجامعة العربية المشؤومة جزءاً من المؤامرة على بلدنا الصغير، لمصلحة الطغاة، ولجرائمهم، ووصاياتهم، واحتلالاتهم، وتنكيلهم باللبنانيين، وتنفيذ مخططات التهجير والتقسيم والسكوت على المجازر التي كان يرسمها مهندسو الخراب من الطغاة، بالتكافل والتضامن مع إسرائيل وأميركا؟ ومتى كانت هذه الجامعة التافهة مع أي شعب عربي؟ كانت مع هذه الأنظمة الفاشية التي تستعبد شعوبها، وتحتل أراضيها بالقوة. دائماً كانت الجامعة العربية الى جانب المؤامرات على الشعب العربي، لمنعه من التفكير حتى بأي تململ، أو تمرّد، أو احتجاج، أو صراخ: من مجزرة حلبجة الصدامية الى مجازر حماة 1982، الى مذابح لبنان، الى ثورة الخبز في تونس.. دائماً كانت على تضامن كامل مع الحكام، ذلك لأن هذه الجامعة، وهي من منظومة هؤلاء المستبدين، كانت دائماً "تمانع" أن تهتز كراسي هؤلاء، لأن كراسيها من صنعهم. وها هي اليوم، بلا طعم، ولا نكهة، سوى من طعم التواطؤ المر، تحاول بكل وسائلها "الديبلوماسية" أن تفتح كل يوم نوافذ لقتل الشعب السوري، وضرب الانتفاضة. يُقال إن اليوم السبت، هناك ما يشبه اجتماع لها، بعد المُهل التي منحتها للنظام السوري لكي يستكمل مخططاته لإنهاء الثورة، معتمدة على نَفَس الشعب السوري، وعلى احتمالات يأسه، وتعبه، ليقدم فروض الطاعة لمن أخضعه على امتداد خمسة عقود. ويقال إن هذا الاجتماع سيتمخّض عن أقل من "فأر" و"بزاقة"، وستُجدد المهلة في ساحات القتل. ويقال إن الجامعة "ستجمّد" عضوية سوريا فيها. سيكون القرار شكلياً. ويُقال إنها ستؤمن غطاء لتركيا، أو لاتخاذ قرارات دولية لحماية المدنيين، كل هذا "فالصو". فلا تركيا تريد غطاء، ولا القرارات الدولية ستكون الى جانب الشعب (هذا ما نشعر به ولا نتمناه). وقد نسيت الجامعة العربية والصين وروسيا والبرازيل… أن الشعب السوري لا يحتاج الى وصاية كالتي فرضت على لبنان، ولا يحتاج الى من يقرر عنه، لا ثورته، ولا تضحياته، ولا إرادته. فهذه الجامعة، بدأت قبيل اجتماعها، بالتعامل مع الثورة السورية وكأنها بلا أصحاب. وبلا ناس. وبلا قيادات. أو الأحرى وكأنها مجموعة "انتفاضات" أو "تحركات" يمكن، بالحيل والنفاق والمواقف المزدوجة، أن تحفر بين مكوّناتها أخاديد، وانقسامات، ليكون لها التبرير الكافي لعدم اتخاذ موقف، أو الاستمرار في تغطية ثورة "الأضاحي". كأن الجامعة العربية (تتحكم بها الأنظمة) تتبنى طوعاً منطق أن الشعوب العربية ليست أكثر من "أضاح" للنحر، والالتهام، والشيّ، والتقطيع، وأنها ليست سوى مجرد "طعام" يفترسه الطغاة ولو عظماً!

نقول أكثر: تريد هذه الجامعة، أن تقنع العالم بأن "حكماءَها" حريصون على الوحدة العربية، وأنهم حريصون على مصالح الأمة، وأنهم مهجوسون بهموم الشعب العربي، وبأن لهم، في هذه المشاعر و"الأفكار" (قلت "الأفكار"؟)، موقفاً قد يكون مختلفاً. فالوحدة العربية بالنسبة إليهم لم تكن سوى خضوع الناس صوتاً واحداً، وبلا نواتئ، وبلا إرادة، ولا اختيار، للأنظمة الفاشية. وبأن حرصهم على مصالح الأمة، يعني تأمين الاستقرار والهدوء والامتثال للطغاة: فمصالح الأمة يمثلها هؤلاء، لا الناس. وأن الهجس بهموم الشعب يعني إلغاء الشعب كإرادة، من حياة، وإنسانية لتأمين حريته. وكرامته. وازدهاره، ويعني في المقابل، ترك الحكام على غواربهم، ينتهكون كل شيء. فالسؤال اليوم، كما أمس، ليس في أن هذه الجامعة هي مجرد "خرقة" بالية، بل كيف يمكن أن ننتظر منها شيئاً، أو نتوقع خيراً، أو نستقرئ ما يغير نظرتنا السلبية عنها! أنه كلام بكلام! كلامها بلا كلام. وبلا وقع. فالثوار في سوريا دانوها ودانوا خبثها ولغتها المزدوجة وتآمرها، وتظاهرها بمحاولة حمايتهم، أو اتخاذ موقف ولو إنساني!

كأن العالم اليوم، كله ببلاطس البنطي الذي "تبرأ من دم هذا الصدّيق"، أو يهوذا الأسخريوطي الذي قبّل المسيح قبلة الخيانة، قبل أن يسلّمه للذبح، قبل أن يشير بالإصبع الى "الأضحية". فعيد الأضحى في سوريا… هو عيد العالم حامل مناشف الدم. عيد الضحية التي تُحاكم بالقتل. إنه عيد الدم. نعم! لكن هناك فارقاً كبيراً بين "خروف" العيد وبين الثوار: فخروف العيد لا يختار الذبح بل يُذبح، لأنه "وُلد" لكي يُذبح ويؤكل كما جاء في الأديان السماوية! لكن الثائر في سوريا، يتقدّم بنفسه الى الذبيحة، بقوة إيمانه بقيامة وطنه، بقيامة شعبه، يتقدّم بحرية سفك دمه، لينال الحرية، يتقدم بقوة دمه، ليسقط الأيدي التي تشهر سكاكينها عليه!
إنها هنا فعلاً القيامة، فعلاً الانبعاث ولكن ليس "البعث"!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل