قراءة أولية في البُعد الإقليمي لخطاب نصر الله:
دفاع عن نظام الأسد وتخوين للشعب السوري.. وتناقضات
لعل السيد حسن نصر الله لم ينتبه، خلال سرده، <خلفيات ما يحصل في سوريا>، إلى أن ما يقدّمه من أدلة على وجود <حرب> عليها، يشكل بحد ذاته تخويناً للشعب السوري، الذي احتضن أنصاره في العام 2006، عن قناعة ورحابة، وبلا إكراه سياسي من النظام··· مع أن نصر الله كان يتكلم في <يوم الشهيد>، الذي ينبغي في حضرته الاعتراف بالفضل للشعب الذي وقف إلى جانب <المقاومة>، لا خذلانه والدفاع عن قاتله!·
تخوين الشعب السوري
في خطابه في يوم شهيد <حزب الله> أمس؛ أورد السيد نصر الله الأسباب الآتية ليشرح لجمهوره <خلفيات ما يحصل في سوريا>· قال نصر الله: <نفهم ما يحصل إذا عدنا إلى الخلفيات، وهنا أريد أن أتحدث عن إيران وسوريا معاً>، ثم استرسل في تعداد أسباب ما أسماه <تهويل وحرب واعتداء>:
<هناك انسحاب أميركي من العراق· أميركا غير قادرة أن تنسحب تحت النار العسكرية لذا تريد أن تقوم بدخان وغبار وضباب، وأن تنسحب تحت النار السياسية والإعلامية··· ومن الطبيعي أن تقوم أميركا في هذا التوقيت بمعاقبة الدول المؤثرة في إلحاق الهزيمة بها وبمشروعها في العراق>·
<بالإضافة إلى ذلك هناك التحولات التي حصلت في منطقتنا··· لا شك أن سقوط نظام زين العابدين بن علي في تونس خسارة للحضور الأميركي الغربي في منطقتنا، ومن الأكيد أن سقوط معمر القذافي في ليبيا كان خسارة لهم، والخسارة العظمى لأميركا وإسرائيل هي سقوط نظام حسني مبارك في مصر>· ( بدا لافتاً هنا أن نصر الله اعتبر سقوط القذافي خسارة لأميركا مع أن <الناتو> هو الذي أسقط القذافي عسكرياً!)·
<صعوبة الوضع المالي الاقتصادي في أميركا··· والوضع الاقتصادي في أوروبا، اليونان وايطاليا والبرتغال>· (لم يشرح نصر الله علاقة الثورة في سوريا ?على فرض أن ما يجري مؤامرة خارجية- بالوضع الاقتصادي العالمي!)·
ثم خلص إلى القول: <المطلوب إذاً إخضاع وجر سوريا، والمطلوب من سوريا أن تخضع وتقبل ما لم تكن تقبله في الماضي>·
هكذا؛ وبتحليل غير منطقي جعل السيد نصر الله الشعب السوري الثائر منذ أكثر من سبعة أشهر مجرد <غطاء دخاني> للانسحاب الأميركي من العراق، و<أداة> في يد أميركا للرد على خسارتها أنظمة حليفة في المنطقة، و<حساباًَ> مالياً لمعالجة الوضع الاقتصادي العالمي!·
والأغرب أن نصر الله لم يفسر لجمهوره لماذا لم يستجب الرئيس بشار الأسد للمبادرة العربية التي وافق عليها بلا تحفظ، أقله من أجل إحباط <المؤامرة> التي تتعرض لها سوريا، ولماذا لم يتوقف قتل المدنيين العزل، ولماذا لم يقبل النظام السوري بدخول وسائل الإعلام كلها <لفضح المؤامرة>··· هذا ناهيك عن الجانب الأخلاقي المتمثل بواجب أن يقول نصر الله كلمة، ولو لرفع العتب، في إدانة الجرائم التي يرتكبها النظام بحق الشعب السوري·
لبنان أولاً
في الخطاب إياه؛ قال نصر الله الشيء وعكسه، عندما دعا القوى السياسية كلها لـ <العودة إلى الاهتمام بشؤون بلدنا، ولنترك الرهان على الخارج، وعلى التطورات الإقليمية> مستغرباً أن تهتم قوى لبنانية بالتطورات الإقليمية أو تراهن عليها فيما شعارها <لبنان أولاً>· وما إن أنهى نصر الله دعوته <الوطنية> تلك حتى غاص في الشأن السوري جازماً -بعد مطالعة طويلة- أن <الرهان على إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد في سوريا سيفشل وسيسقط>!·
المدهش أكثر أن عدداً كبيراً من حضور الصف الأول في مجمع <سيد الشهداء>، حيث كانت تبث كلمة نصر الله، سبق أن كانت له مشاركات ميدانية (خطابات ومشاركة في تظاهرات) داخل سوريا دعماً للنظام (وهؤلاء لا يخفون ذلك بل يفخرون به)، فيما عدد آخر متورط في عمليات خطف ناشطين سوريين من لبنان وتسليمهم إلى سوريا، وهو ما لا يتفق تماماً مع <احترام> نصر الله المستجد لشعار <لبنان أولاً>!·
أما الأغرب والأخطر معاً؛ أن السيد نصر الله أدخل البلد كله في أتون صراع لا قدرة لنا على احتماله، عندما قال: <عليهم أن يفهموا – وهم يفهمون جيداً-، أن الحرب على إيران، والحرب على سوريا، لن تبقيا في إيران وسوريا، وإنما ستتدحرج هذه الحرب على مستوى المنطقة بأكملها> طالباً من <الدول العربية والإسلامية وحكوماتها والشعوب المعنية عليها أن تتخذ موقفاً>!·
ومع هذا التهديد الخطير؛ كيف تستقيم دعوة نصر الله لـ <الاهتمام بشؤون بلدنا>، وهو الذي اتخذ صفة المتحدث باسم إيران التي – بحسب وصفه ? <لا يمكن أن تخاف لا من التهويل ولا من الأساطيل>، والتي <لديها قائد لا مثيل له>، والتي <سترد الصاع صاعين>، وصولاً إلى تهديده بتدحرج الحرب، بناءً ما أسماه <واقع الحال>، الذي يشكل ارتباط <حزب الله> المباشر بإيران جزءاً منه، بكل تأكيد؟!·
ومع أن ما سبق من مواقف واضح التناقض ?إضافة إلى كونه خطيراً- فإن الأمر لم يقتصر على هذا الحد، ففي مقاربة السيد نصر الله لملف المحكمة الدولية ما هو جديد في غرابته··· وللحديث صلة·