كتب المحلل السياسي في صحيفة "اللواء": تعتقد الادارة الاميركية ان الحكم اللبناني يواجه راهنا ملفين بالغي الاهمية، كلاهما متفجر في حال فشل المسؤولون في نزع الفتيل: الاول يتعلق بتمويل المحكمة الخاصة للبنان، والثاني يرتبط بما تسميه واشنطن "حال التوغل السوري في لبنان، وآليات التعاطي مع المعارضين السوريين المقيمين فيه".
وتعتبر الادارة في واشنطن ان التعاطي الرسمي في الملفين الشائكين سيحدد طبيعة علاقة المجتمع الدولي مع الحكومة اللبنانية، وهي علاقة دافئة نسبيا في الوقت الراهن، لكنها لن تبقى كذلك في حال تخطى المسؤولون اللبنانيون التزاماتهم.
ويقول عائدون من واشنطن ان عوامل عدة تتحكم بموقف الادارة الاميركية من مسألة تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان:
– تصر واشنطن على ان المحكمة كيان مؤسسي دولي قائم بحد بذاته، لا يتيح لاحد التنازل عن دورها او التأثير في مسارها، تماما كما لا يمكن اي دولة نقض الإعتراف بكيانية هذه المحكمة.
– تعتبر ان بعض المقاربات اللبنانية للمحكمة "ضيق للغاية"، بمعنى ان جهات سياسية وحزبية تعتقد ان بإستطاعتها التشويش على اداء المحكمة وفريق عملها من خلال الحملات الاعلامية المركزة، وفاتهم ان مناخ بيروت شيئ ومناخ العاملين في لاهاي شيئ مغاير.
– من وجهة النظر الاميركية، ان "تدبيج السيناريوات المشوِّهة للمحكمة، عبر التشكيك بصدقية القضاة والمحققين ومئات العاملين فيها، قد يفيد او يلقى صداه في لبنان لكنه بالتأكيد لن يخرق حصون المحكمة في لاهاي• وكان آخر هذه المحاولات السعي الى تشويه مهنية الرئيس السابق للمحكمة القاضي الراحل انطونيو كاسيزي، ذي الصدقية والمهنية والكفاءة الحقوقية الاستثنائية• وهو عندما قدّم استقالته منازعا الموت، وجد في بيروت من يبني التخيلات المسيئة والتهيئات المشينة ويزعم ربط استقالته بخلافات مع المدعي العام القاضي دانيال بلمار".
– تتابع واشنطن "بدقة الجهود المبذولة للحد من تأثيرات التوتر في سوريا وتطويقها لبنانيا، وهي تعمل لتفادي ربط الاستقرار في لبنان بأحداث سوريا، لأنها تعتقد ان القيادة السورية تسعى الى جعل استقرار لبنان ورقة في الصراع الحاصل، وفي اي تفاوض او مقايضة مستقبلية في المنطقة".
– لا تعير الدوائر المعنية في واشنطن وفي المنظمة الدولية كثير اهتمام الى استمرار التشكيك في قانونية المحكمة الدولية ودستوريتها أو ميثاقيتها لبنانيا، فالمحكمة أنشئت تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو نظام قانوني يتجاوز القوانين المحلية ويعلوها بقوة الحكم والأحكام• وهو لا يقبل أي طعن أو مراجعة من قبل أي سلطة محلية أو أي دولة عضو في الأمم المتحدة كلبنان مثلاً، أولاً لأنه صدر بإجماع مجلس الأمن الدولي.
– ترى واشنطن ان التزام لبنان دفع حصته في موازنة المحكمة تفصيل في سياق الأحكام العامة التي ترعى نشوء المحاكم الدولية، لان الأمم المتحدة، الحاضنة الشرعية القانونية للمحكمة، سبق ان اختبرت تمنع بعض الدول أو الجهات عن التعامل مع المحاكم الدولية، على رغم ادراك الممتنعين او المتمنّعين ان الرفض موقف سياسي، وان من المستحيل عرقلة العدالة الدولية او معاندة القضاء الدولي. فبمجرد ان تتجاوز أي دولة أحكام القانون الدولي، تفقد شرعيتها دوليا ومحليا.
– تعتبر واشنطن ان المطالبة بتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع العربي – الإسرائيلي، لا تستوي لمن يسعى الى تجاوز القرار الدولي لذي أنشأ المحكمة الدولية، والا وقع الساعي في إزدواجية المعايير الدولية.
– تدعم الولايات المتحدة المحاكم الدولية محكمة لبنان تماما كما سبق ان دعمت المحاكم التي أنشئت لكل من يوغوسلافيا السابقة وبوروندي وغيرها من الدول• فسياق القانون الدولي كلٌّ من كلّ لا يحتمل التجزئة او التقسيم او الاقتطاع.
– سبق للادارة الاميركية ان نبّهت المسؤولين اللبنانيين الى مخاطر الحراك خارج الشرعية الدولية• وهذه المخاطر لا تقتصر فقط على عقوبات دولية اقتصادية وسياسية، بل هي تصل الى حد وضعه في خانة الانظمة الساقطة او المارقة. وسبق للادارة ان حذّرت هؤلاء المسؤولين من قراءة خاطئة للموقف الدولي، وخصوصا اثر الفيتو الروسي في الملف السوري. ذلك ان موسكو، على رغم كل الاختلاف مع واشنطن وفي ظل سعيها الى التعويض عن فقدان دورها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لا يمكن ان تؤيد اسقاط المحكمة او التصويت ضد صيرورتها واستدامتها متى يحل موعد التجديد لها في آذار 2012. وما الموقف الروسي المؤيد بالمطلق للمحكمة الذي كرره اكثر من مرة سفيرها في لبنان بالتزامن مع زيارة وفد حزب الله الى روسيا الاتحادية، الا الدليل الى ان المحكمة ثابتة دولية مهما بلغت التحولات السياسية او اشتد التنافس الاميركي – الروسي في الشرق الاوسط.