من حق القوى السياسية على اختلافها ان تنبري لمواكبة تطور "تاريخي" غير مسبوق في مواقف الجامعة العربية وإدائها المختلف اختلافاً جذرياً عن كل مسارها، ولبنان أدرى الدول العربية المعنية بتجاربه المحبطة مع هذه الجامعة. ولا ننكر جسامة هذا التحول وأهميته من حيث "صياغة جامعة عربية" جديدة في بحر الانتفاضات والتطورات العربية، على ما وصفته النيويورك تايمس أمس.
مع ذلك ربما يُسمح للرعايا اللبنانيين العاديين في "النزول" الى تواضع يمليه قلق متصاعد من واقع الجريمة في لبنان ولفت كبار القوم السياسيين والرسميين الى خطورة المنحدر والمنزلق اللذين يتهاوى فيهما الأمن، من دون اي صفة اجتماعية او سياسية او سواها من الصفات.
في منطقة المتن الساحلي تكررت في أقل من شهر مظاهر اجرام منظم مع العثور على جثث ضحايا مقتولة برصاص في الرأس. وفي مناطق أخرى تحصل جرائم مغايرة ولكنها جرائم أيضاً.
ما يشهده لبنان من ظواهر التقهقر الاجتماعي والعوز الاقتصادي والانهيار في كل معايير الضبط الارادي والقمعي للجريمة مثير لخوف اعظم بكثير من ارتدادات الثورات العربية عليه.
بالأمس سعدنا لطرابلس بيوم حضاري شاءه لها نخبة من ابنائها المتوثبين للحياة. طرابلس هذه العاصمة الثانية للبنان والخزان الاكبر للبؤس وأحزمة العوز الانمائي. يثار حولها الكثير وتتردد حولها اساطير ومقولات وقصص مرعبة. ويقال ان مشاريع الفتن تدبر لها. هذا اليوم البيئي "المنزوع السيارات"، اجتذب اليها كبار رجال الدولة ورئيس البلاد ورئيس الحكومة، واضطر الدولة الى "المشي" في ركاب يوم حضاري. لماذا لا يندفعون أبعد وينزعون كل عوامل الرعب منها، كما من سواها؟ طرابلس تحتاج هي الاخرى، الى ان تكون مدينة منزوعة السلاح.
وكل منطقة في لبنان تحتاج اولاً وقبل الخبز والمياه والكهرباء والانترنت وسائر الخدمات الالكترونية والكلاسيكية الى أمان اجتماعي. واذا كان خبر العثور على جثث الضحايا لا يستوقف احداً في لبنان، فعبثاً كل بناء وكل حضارة وعبثاً كل بلاغة مما سنسمعه في قابل الايام.
ذلك ان ممتهني نبوءات الشؤم بدأوا لتوّهم التبشير بالويل والثبور وعظائم الامور كأن لبنان لن يفلت من ذلك الادمان التاريخي "لوظيفته" كمتنفس للاحتقانات الخارجية. وحتى مع"جامعة عربية" مختلفة وساحات عربية تتجدد ولو بطريقتها الدامية، ومع أنظمة ترحل وأخرى تتهيأ، يبدو قدر اللبنانيين حبس الانفاس ووضع الايدي على القلوب بين امن اجتماعي يوغل في الاهتراء وامن سياسي يوغل في الترهيب.
فكيف والحال هذه لا يبدأ "التعقيم البيئي" من الامن أولاً؟