خلوة ميقاتي – السنيورة: توافق على تشريع الإنفاق بقانونين
تمويل المحكمة ينتقل من الشق المالي إلى المسألة المبدئية
ما بين الرسائل المباشرة التي حملها مساعد وزير الخزانة الاميركية في زيارته السريعة لبيروت، ومؤداها توخي الحذر والتحوط لما سيترتب على تصاعد وتيرة الضغط الدولي على سوريا، والقرار الصارم لجامعة الدول العربية بتعليق عضوية سوريا فيها، بدا أن مهلة تضييع الوقت والمماطلة التي كان يعيشها لبنان على وقع الاستنزاف السوري بدأت بالنفاد، ليبدأ في المقابل العد العكسي لمرحلة مواجهة الاستحقاقات الداخلية والخارجية التي تحوط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.
فالحكومة التي آل رئيسها على نفسه أمام المجتمع الدولي احترام التزاماتها وتنفيذ القرارات الدولية في حق سوريا بقطع النظر عما هو موقفه منها، خاض بالامس أول مواجهة مع تلك الالتزامات على المستوى العربي عندما رفض التصويت الى جانب الدول العربية الاخرى مع تعليق العضوية، مع ما سيرتب عليه هذا الموقف من التزامات أخرى حيال القرارات الاخرى المتعلقة بسحب السفراء أو تطبيق عقوبات اقتصادية.
وليست العزلة عن العالم العربي الذي اقحم لبنان نفسه فيها الا مقدمة لما قد يكون عليه وضعه في حال مماثلة مع الاسرة الدولية، عند استحقاق تمويل المحكمة بعدما تحوّل الامر بفعل المواقف المتناقضة حيالها بين رئيس الحكومة الملتزم التمويل و"حزب الله" وحلفائه الرافضين له، من شأن مالي محض الى مسألة مبدئية يرغب التحالف الاكثري في مقاربتها من ملف مبدئية المحكمة واسسها. وهذا بدا واضحا من المقاربة الساخرة للأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله بين تمويل مؤسسة ثقافية كالاونيسكو وتمويل محكمة دولية تنظر في قضايا اغتيال قيادات ومواطنين لبنانيين ابرياء.
واذا كان رئيس الحكومة يعوّل وفق القريبين منه على الانفتاح الدولي عليه المتجلي في زيارتيه لنيويورك ولندن بما يجعل هؤلاء يثقون بالتفهم الذي ابداه الغرب لمواقفه واحترامه التزاماته وقدرته على تجاوز مأزق التمويل، ويدفعهم الى القول بأن المحكمة " باتت وراءنا" وأن "المطلوب الهدوء والتروي من اجل التوصل الى المخرج القانوني الملائم لذلك"، فان الموقف المتجدد الاخير لنصر الله من المحكمة أضعف حظوظ المعالجات الصامتة، اذ أعاد الموضوع الى الضوء بعيدا من أي مسايرة أو تنازل يمهد لتسوية ما يجري العمل عليها وراء الكواليس.
فميقاتي يعول على امكان تأمين الاعتمادات المطلوبة للتمويل واضعاً المشكلة في اطارها التقني. ولهذا تعتقد الاوساط القريبة منه أنه بمجرد اقرار مشروع قانون الانفاق الاستثنائي في مجلس النواب تكون مشكلة التمويل قد حلت لأنه يصبح في امكان الحكومة ان تنفق تحت سقف القانون. لكن العقبة الاكبر تبقى في أن أي انفاق عبر سلف خزينة أو من الاحتياط يتطلب في كل الاحوال قرارا حكومياً على مستوى مجلس الوزراء، مما يعيد كل الاقتراحات التي يجري تداولها حاليا الى المربع الاول ويضع الحكومة أمام احد خيارين: اما استقالة رئيسها رفضا لتمنع وزراء 8 آذار عن اقرار التمويل وانسجاما مع موقفه المبدئي في هذا الشأن، واما لجوء "حزب الله" الى الخيار المر عبر قبول المواجهة في مجلس الوزراء ونتائج أي تصويت مبني على تسوية سياسية بمباركة خارجية.
وأي تسوية في هذا المعنى ستمر باختبار نيات قبل بلوغ الاستحقاق. والاختبار الاهم يتمثل في مشروع قانون فتح اعتماد استثنائي بقيمة 8900 مليار ليرة لزوم انفاق السنة الجارية، والمؤجل من الجلسة السابقة للهيئة العامة، بعدما طلبت المعارضة التريث في اقراره للدرس.
وعلم أن هذا الموضوع الذي شكل محوراً اساسياً من خلوة الرئيسين نبيه بري وميقاتي مع الرئيس فؤاد السنيورة بعد الجلسة العامة الاخيرة للمجلس، اعيد طرحه في الخلوة الاخيرة بين ميقاتي والسنيورة على هامش خلوة دار الفتوى قبل أيام. وفهم ان البحث جاء استكمالا لما سبق طرحه من أفكار واقتراحات لمعالجة كل الملف المالي.
وعلمت " النهار" ان خلوة ميقاتي والسنيورة أفضت الى التوافق على أن أي طرح لمشروع قانون يتعلق بانفاق 2011 يجب أن يرفق بآخر يتعلق بانفاق الاعوام الخمسة الماضية ( 2006 – 2010 ) على أن يكون ذلك من خلال اعداد مشروع قانون يلحظ الانفاق الاضافي في تلك المرحلة من خارج القاعدة الاثني عشرية. واتفق على أن يعكف السنيورة على تقديم هذا المشروع اليوم الى ميقاتي لضمه الى الهيئة العامة للمجلس في أول جلسة تشريعية تعقدها.
واستبعدت مصادر مطلعة على حركة الاتصالات الجارية أن يعوق الرئيس بري هذا المشروع في ظل التفاهم المبدئي الذي حصل على الامر في الخلوة السابقة، وعلى قاعدة أن حكومة ميقاتي عكفت على الانفاق عبر سلف خزينة، مما يجعلها شريكة في الانفاق الاضافي غير المشرع بقوانين وانما المحصن بالتوافق السياسي انطلاقاً من المثل الذي تدرجه المصادر للدلالة على واقع الحال: "لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن!"
وتختم المصادر مشيرة الى أن المعارضة لن تسير باقرار قانون يشرّع حجم الانفاق ما لم يكن مشروطا بقفل كل الحسابات المالية السابقة موضحة انها " واعية تماماً لما يحاولون استدراجنا اليه عبر ايهامنا أن اقرار الانفاق الاستثنائي سيوفر سداد حصة لبنان من التمويل للمحكمة، ونحن نعي تماماً ان هذا لن يحصل من دون قرار حكومي!".