منذ أن تشكّلت الحكومة الحاليّة بعدَ انقلاب موصوف، وفي ظلّ الثورة السوريّة التي بدأت في الخامس عشر من آذار الماضي، اعتمدَت السلطة السياسيّة في لبنان نظريّة عنوانها "النأي بلبنان" عن الوَضع في سوريّا. بيد أنّ نظريّة "النأي" تُرجمت في الواقع التحاقا ديبلوماسيّا – سياسيّا كاملا بالنظام السوريّ. فهذا ما حصل في مجلس الأمن الدوليّ، وهذا ما حصل في جامعة الدول العربيّة أمس الأوّل، حيث سجّل وزير الخارجية وَصمَة عار على جبين لبنان بخروجه عن الإجماع العربي دَعمَاً لنظام الأسد.
المهم أنه مع الوقت، ومع تصاعد الثورة السوريّة وصمودها في وجه آلة القمع والقتل، لم يعُد ما يُسمّى "النأي" مجرّد موقف ديبلوماسيّ – سياسيّ مُنحاز إلى نظام الأسد. لم يعد "النأي"، الذي "شرَحَته" السلطة السياسيّة على أنّه لـ"تجَنّب إقحام لبنان في الأزمة السوريّة التي لا يستطيع بلدنا التأثير فيها بأيّ اتجاه كان"، هو السائِد. بكلام آخر، لم يعُد "النأي" مجرّد "خدمة" ديبلوماسيّة حتى.
صار "النأي" مجموعة أشياء دفعة واحدة. صار غَضّ نظر عن خروق متمادية للحدود اللبنانيّة، وعن عمليات أمنيّة داخل الحدود، وعن تلغيم للحدود. وصار مطاردات وعمليات خطف واعتقال. وصار مصيرا مجهولا لأعداد متنامية من الناشطين السوريين المعارضين. وصار تخَلّيا من جانب الدولة، دولة اللجوء، عن واجباتها حيال النازحين واللاجئين في أبسط المجالات الإنسانيّة. وصار "النأي" مناطق حَظر إعلاميّ، كما الحال في منطقة وادي خالد.
من "النأي" المُنحاز، انتقلت السلطة السياسيّة في لبنان إلى فتح لبنان للتدخّل المكشوف من جانب نظام الأسد، وإلى تقديم كلّ الخدمات له، السياسيّة والديبلوماسيّة والأمنيّة والقضائيّة… فَضلا عن المسألة التي تطرحها دوائر القرار الدوليّ، والمتعلقة بخطر تحَوّل لبنان إلى رئة ماليّة للنظام هَرَبا من العقوبات.
وهكذا، فإنّ "النأي" الذي لم يكن حيادا في الأصل، تسلسلَ حتىّ أُسقِطت الدولة من أجل نظام الأسد وكرمَى له.
أمّا قوى 14 آذار التي خضعت في فترة للابتزاز تحت ضغط اتهامها كلّها أو بعضها بالتدخّل في الشأن السوريّ دعماً للثورة الديموقراطيّة السلميّة السوريّة، قبلَ أن تلتقط أنفاسها في فترة لاحقة وتطوّر موقفها من ربيع سوريّا، بل وتعيد الاعتبار لموقعها المؤسّس في ربيع العرب… فإنّها كثفت مواقف الاعتراض السياسيّ، سواء كانت هذه المواقف مِن قادَتها أو جاءت من أمانتها العامّة أو من جانب نوّابها وكتلها النيابيّة.
لقد آن الأوان لموقف أعلى.
أمّا وأنّ السلطة السياسيّة في لبنان هي حكومة سوريّة في بيروت تابعة للحكومة السوريّة في دمشق، وأمّا وأنّ هذه السلطة تترادف مع نظام الأسد، وأمّا وانّ أبرز نتيجة لذلك أن أستبيحت السيادة وانهارَت الدولة بمقوّماتها الجوهريّة، وأمّا وأنّ النظام السوريّ بات خارجَ الشرعيتين العربيّة والدوليّة خصوصا في ضوء القرار العربي الاخير، وأنّ السلطة في لبنان تخرجه من هاتين الشرعيتين (بما في ذلك من بوّابة المحكمة الدوليّة). ثمّ أمّا وأنّ تلك السلطة تأسر البلد في الماضي بالترهيب والقوّة.
فقد حان الوقتُ لتعتبر 14 آذار أنّها معارضة، وأنّ المجلس الوطني السوريّ هو الحليف.
حانَ الوقتُ كي تتصرّف 14 آذار على أنّها ثورةٌ ربيعيّة "متوازية" مع الثورة الربيعيّة السوريّة.
حانَ الوقتُ لوَعي أنّ المعارضتين أو الثورتين في لبنان وسوريّا، هما في واقع الأمر معارضة واحدة أو ثورة واحدة. ثمّة قضيّة واحدة تجمع بينهما وأهداف واحدة تجمعهما: التخلّص من الديكتاتوريّة في سوريّا مسألةُ حياة للشعبين السوريّ واللبنانيّ، والتخلّص من الديكتاتوريّة في سوريّا مسألة مصير للعلاقات اللبنانيّة – السوريّة، لاستقلال وديموقراطيّة كلّ منهما ولمستقبل تعاونهما ودورهما المشترك في المشرق العربيّ الجديد.
نعم، معارضتان بعناوين سورية وأخرى لبنانية، لكنهما معارضة واحدة.
معارضتان بين 14 آذار والمجلس الوطني السوريّ الحاصِل على شرعية شعبه والأقرب إلى 14 آذار في مقاربته لأوضاع سوريّا ولبنان والمنطقة. ومعارضة واحدة، إذ ما الفارق بين أن يواجه الشعب السوريّ النظام عنده وبينَ أن يواجه الشعب اللبنانيّ النظام نفسه ووكلاءه وأتباعه… وعلى عناوين هي نفسها؟.
… وهذا الموقف الآخر لدى اتخاذه سيفتتح مرحلة مختلفة، مرحلة نضاليّة مختلفة. ونقطة الانطلاق واضحة: لن يقبل اللبنانيون أن يُدمّر بلدهم من أجل نظام الأسد، وأن تُضيّع إنجازات استقلالهم… ثمّ إنّ المعارضتين "في الفلق" مَعاً.