#adsense

“المسلخ البعثيّ” نظام يصارع من أجل.. الاحتضار

حجم الخط

أمّن الرئيس الراحل حافظ الأسد العناصر الثلاثة الضروريّة التي نصحَ بها نيكولو مكيافيللي كلّ حاكم يريد البقاء لأطول فترة ممكنة. في المقابل جسّد ابنه الرئيس بشّار الأسد النقائض الثلاثة المباشرة لها.
النصيحة الأولى التي قدّمها مكيافيللي للحاكم والتي اقتدى بها الأسد الأب، هو أنّه يمكن للعامّة أن تغض الطرف عن أي بطش وتنكيل مهما بلغت شدّتهما، شرط أن يتركّزا في زمان معيّن ومكان محدّد، في حين أنّه لا يمكن للعامّة أن تتسامح مع بطش وتنكيل مستمرّين في الزمان ومتنقّلين في المكان ولو جاءا أقلّ وطأة. الأسد الأب حاصر حماة، وعزلها عن سواها، وأعمل فيها الإبادة الجماعية. الأسد الإبن يرتكب خطأ قاتلاً بالمنظار المكيافيلليّ إذاً: يتصوّر أنّه بـ”غلّة دمويّة” متواضعة كلّ يوم، من عشرين إلى خمسين نفرا ليس إلا، يمكنه أن يتجاوز “الأزمة” ويفتح الباب إلى “الإصلاح” المنشود. يتعجب كيف أمكن لوالده أن يفني عشرات الآلاف من الناس فيزيد حكمه استقراراً، في حين أنّه لا يقتل هو إلا بضع عشرات يومياً، لكن وضعه يزداد إحراجاً، بل يقارب منزلة الميئوس منه. من يقرأ مكيافيللي، هذا الفيلسوف المؤسس للعلم السياسيّ الحديث، يعلم جيّداً، أنّ “المسلخ اليوميّ” الذي ارتضاه بشّار الأسد سبيلاً الى “تجديد حيويّة” النظام البعثيّ، ليسَ صراعاً ضد احتضار هذا النظام، بل انه الوقائع اليومية للإحتضار الدمويّ لهذا النظام.

أمّا النصيحة الثانية التي قدّمها مكيافيللي لهذا النوع من الحكّام، فقضت بالإحتراز من عقد تحالفات وثيقة مع أي دولة اكبر حجماً وقوّة، داعياً الحاكم في هذا المجال إلى إبقاء مسافة، وإيثار التقاطعات الموسميّة والظرفية، على الإرتباطات العضوية المتعبة. وجهة نظر مكيافيللي هنا أنّ الدولة التي يحالفها الحاكم بشكل وثيق إذا كانت أكبر منه ستفوز بالغنائم وحدها في حال خرجت منتصرة في أي جولة او نزال، في حين أنّ الطرف الأضعف في هذا التحالف الوثيق هو الذي سينكب بالخسائر بالدرجة الأولى في يوم الهزيمة، وقد يقدمه حليفه العضويّ الأقوى على طبق من فضّة إذا ما تطلّب الأمر. وهذا كلّه يصدق عند النظر في شكل ارتباط الأسد الإبن بنظام الملالي، منذ تولّيه مقاليد الأمور في سوريا وإلى اليوم. والأنكى من ذلك أنّه في الآونة الأخيرة صرّح بأنّ الصراع اليوم هو بين “القومية العربية” وبين الحركات السلفيّة، في حين أنّه لم يبق لديه ما يعوّل عليه إلا شعوبيّة نظام الملاليّ. ومدهش هنا، كيف أنّ “القومية العربية البعثية” بدأت رسالتها التاريخية بإشهار العداء العنصريّ للحضارة الفارسيّة، ولكل ما ليسَ عربيّاً أصيلاً في تاريخ المنطقة، واعتبرت أن الشعوبية مؤامرة دائمة على الأمّة. لكنه في آخر الأمر يتبيّن ان هذه القومية العربية البعثية حاربت الشعوبية الإبداعية، تلك التي يرمز لها شعراء أثروا اللغة العربية مثل بشّار بن برد، إنما لمصلحة الارتهان إلى الشعوبية الظلاميّة، تلك التي ما عاد بشّار الأسد يجد ما يعوّل عليه اليوم غيرها، هي وأتباعها في المنطقة.

والنصيحة الثالثة التي قدّمها مكيافيللي للحاكم، خصوصاً إذا كان يدرك تماماً أنّه طاغية، هي أن لا يتوهّم بأنّ الناس سوف تحبّه في يوم من الأيّام، وألا يسعى إلى ذلك، بل أوفر له وأجدى ان يصرف المدّاحين من حوله، أو لا يكترث بهم كثيراً. اقتضى مكيافيللي من الحاكم هنا أن يجمع بين صفته كأسد يزرع الخوف والخشية منه في جميع انحاء وزوايا الغاب، وبين صفته كثعلب يمكنه أن يسوّق لدهائه إلى درجة الذي يمتدحه حتى أخصامه على هذا الدهاء. هنا أيضاً، توخّى الرئيس الراحل حافظ الأسد هذه الوجه. ما كان لديه أي شك في أي وقت من الأوقات بأن لا أحد يحبّه في سوريا. ما كان يريد أن يحبّه أحد، كان يريد أن يخشاه الجميع، وبذات القدر، وكان كلّ همّه أن تنتشر الكتب الترويجية الغربية لـ”دهائه” وليس لـ”تنويريّته” أو “تسامحيّته” أو “انفتاحيّته” أو أي شيء من هذا القبيل، وهذا ما كان.

أما الأسد الإبن فوقع هنا أيضاً في الشرك الذي حذّر مكيافيللي الطغاة من الوقوع فيه. أراد من الناس أن يحبوه، اراد تسويق صورة محبّبة له. بدل الكتب الترويجية الغربية لـ”دهاء” الأب، صارت الدعاية في زمن الإبن تنتظر مجلات الموضة لتسوّق النموذج “العصريّ” المشتاق إلى الحبّ الذي يحكم سوريا، حتى إذا كانت الثورة، وقع الأسد الإبن في خطأ مميت للطاغية، لطالما حذّر مكيافيللي أمثال الأسد منه: ما عاد الشغل الشاغل لآلة قمعه وجرائمه ضد الإنسانية هو إعادة فرض “نظام الخوف”، وإنّما إجبار الناس على حبّ الطاغية. اتخذ ذلك أشكالاً عدة طيلة الأشهر الماضية، أما الردّ، من جانب الثورة السورية، والآن من جانب الإجماعين الرسميّ والشعبيّ العربيّ أيضاً وأيضاً، فكان وسيبقى حتى سقوط النظام: ما منحبك، ما منحبك، ارحل عنّا انتَ وحزبك!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل