تنتهي مهلة تسديد لبنان لحصته من تمويل المحكمة الدولية في أواخر تشرين الثاني الحالي، ما يحتّم على مجلس الوزراء، بحسب مصدر سياسي مطلع، إدراج هذا الملف على جدول أعمال إحدى جلساته خلال الشهر الحالي، أو حتى بحثه من خارج جدول الأعمال، وذلك للتصويت عليه داخل الحكومة، مع العلم أنّ حزب الله قد اتخذ موقفا نهائياً وحازماً برفض تمويل المحكمة، والى جانبه تكتّل التغيير والإصلاح، والحزب القومي السوري الإجتماعي اللذين رفضاه رفضاً قاطعاً، انطلاقاً من قناعتهما أنّ المحكمة غير دستورية وغير قانونية في الأساس. كما من المتوقّع أن يقف وزراء حركة أمل الى جانب حلفائهم في رفض التمويل.
وإذ يصرّ رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي على الإلتزام بالقرارات الدولية ومنها القرار 1757 المتعلّق بالمحكمة الخاصة بلبنان ومن ضمنه تمويلها، الى جانب دعم رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط قرار التمويل بعد أن بدّل موقفه السابق، فعلى ميقاتي اليوم إيجاد حلّ لهذه المسألة قبل انتهاء المدة القانونية لدفع لبنان حصته من التمويل. وفي حال فوز الأكثرية الوزارية داخل مجلس الوزراء باتخاذ قرار عدم تمويل المحكمة، وهو ما سيحصل- إلاّ إذا بدّل بعض التيارات السياسية موقفه المعلن من تمويل المحكمة- فيصبح أمام الحكومة اللبنانية طلب التمويل من الخارج، وثمّة دول عدّة مستعدة لدفع حصّة لبنان، من غير أن يضمن لبنان ما هو المقابل الذي سوف تطالبه به.
غير أنّ إصرار البعض في لبنان وخارجه على تمويل المحكمة من قبل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، لا يقتصر على حصول المحكمة على المال اللبناني، بقدر ما يمنح الشرعية للمحكمة من حكومة يتمثّل فيها «حزب الله» بوزيرين، واعتبرتها المعارضة الحالية والولايات المتحدة الأميركية فور تشكيلها حكومة حزب الله، وهذا ما يجعل التمويل أكثر دستورية وقانونية.
ومع بد العدّ العكسي لدفع لبنان حصته المتبقية من التمويل والتي تبلغ 32 مليون دولار، أُضيف اليها مبلغ 5 ملايين يورو فرضتها الرسوم والفروقات في العملات الأجنبية كما قيل، درست غرفة البداية للمحكمة الخاصة بلبنان التي عقدت جلستها العلنية الأولى في لاهاي للإستماع إلى حجج المدعي العام ومكتب الدفاع بشأن احتمال تنظيم محاكمة غيابية للمتهمين باغتيال الحريري، بعد يومين من طلب المدعي العام في المحكمة الدولية القاضي الكندي دانيال بلمار من قضاتها استدعاء السلطات اللبناني» (وعنى بذلك المدعي العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا) للتحقيق معها في شأن التدابير المتخذة لتوقيف المتهمين باغتيال الحريري. ومن بين الأدلة التي استند اليها مكتب بلمار مقابلة مجلة الـ تايم المزعومة مع أحد المتهمين، والتي كان حزب الله قد اتهم المحكمة بفبركتها، ويأتي طلب بلمار هذا كدعم لقرار المحكمة بدء المحاكمات الغيابية، على ما يؤكّد المصدر. وكانت أعلنت المحكمة أخيراً عن تعيين محامين للدفاع عن أفراد حزب الل» الأربعة الذين وردت أسماؤهم في القرار الاتهامي الذي سُلّم الى السلطات اللبنانية في 30 حزيران من العام الحالي، وهم: سليم جميل عياش، مصطفى أمين بدر الدين، حسين حسن عنيسي وأسد حسن صبرا، وكلّهم لبنانيون، كدعم إضافي لعمل المحكمة «الشرعي والقانوني».
ويضيف المصدر بأنّ المحاكمة الغيابية للمتهمين في أي محكمة كانت، تكون أحكامها عادة أكثر تشدّداً لكنها لا تصل الى تنفيذ العقاب، والدليل أنّ أحكاماً غيابية عدّة اتخذت بحقّ متهمين لم تنفّذ لأسباب عدة أبرزها عدم التمكّن من إلقاء القبض على المتهمين، أو حتى وفاتهم قبل أن ينفّذوا الحكم، وفي حالات أخرى دخول عامل مرور الزمن على الخط وإنقاذ حياة هؤلاء. وإنّ عدم التوصّل الى معاقبة المرتكبين والمجرمين، بحسب رأيي، يجعل أي محكمة دولية وغير دولية، كأنّها لم تكن، إذ لا يكفي كشف الحقائق بالأدلة والوقائع بل محاسبة المتهمين. وإذا لم تتوصّل المحكمة الخاصة بلبنان الى تنفيذ مرحلة العقاب والحساب، فإنّ أسئلة عدّة سوف تطرح حول استمرار عملها، والهدف الذي أنشئت لأجله.
وفيما يتعلّق بما أبلغته السلطات اللبنانية للمحكمة بعد انتهاء المدة القانونية للتبليغ، بأنّها لم تتمكّن من توقيف المتهمين أو من العثور عليهم، وقد رأى القاضي الإيطالي (الذي توفي أخيراً) آنذاك أنّ لبنان أظهر تعاوناً مع المحكمة، فيبدو أنّ ذلك لم يقنع بلمار، بحسب المصدر، خصوصاً بعد وفاة كاسيزي. ولهذا طلب بلمار الإستماع الى ميرزا ليضعه في تفاصيل التحقيقات التي قامت بها السلطات اللبنانية لإيصال التبليغات الى المتهمين، لا سيما وأنّ مجلة التايم نشرت مقالاً تضمّن مقابلة مع أحد المتهمين زاعمة بأنّه التقى الصحافي في أحد مقاهي الحمرا، وذلك لإظهار أنّ هذا المتهم لا يخشى السلطات اللبنانية، وهو يتصرّف وكأنّه خارج عن القانون، في حين رأى بلمار في ذلك تقاعساً من قبل السلطات اللبنانية، على الرغم من نفي «حزب الله» لحصول هذه المقابلة جملة وتفصيلاً.
وأفادت المعلومات أنّ المحاكمات الغيابية تستند إلى مبدأ واضح هو عدم جواز توقيف سير العدالة بسبب متهم، أو بسبب رفض دولة ما تسليم متهم ما. كما وأنّه يجوز للمحكمة إقامة إجراءات المحاكمة في غياب المتهمين في الحالات الآتية: إذا تنازلوا عن حقهم في حضور الإجراءات أمام المحكمة، أو إذا لم تسلّمهم سلطات الدولة المعنية إلى المحكمة في مهلة معقولة، أو إذا تواروا عن الأنظار أو تعذّر العثور عليهم، وإذا اتخذت جميع الخطوات المعقولة لضمان مثولهم أمام المحكمة ولإبلاغهم التهم المسندة إليهم.