كتبت صحيفة "الجمهورية":
ماذا يجري في منطقة المتن؟ ولماذا تحوّلت منذ شهر ونيف تقريبا مسرحا لارتكاب جرائم تثير كثيراً من التساؤلات والشبهات حول غاياتها واهدافها؟ وهل في الأمر مخطط ما، خصوصا وان المغدورين مواطنون عاديون يُقتلون لمجرد القتل وليس بدافع السرقة؟
المؤكد ان هناك مخططاً ما، يخفى خلف هذه الجرائم التي ذهب ضحيتها 9 اشخاص منذ الشهر الماضي وحتى اليوم.
الجريمة الاولى وقعت في محلة ضبية وذهب ضحيتها سائق "تاكسي"، واظهرت كاميرا مثبتة في المحلة ان المغدور كان نائما على جانبه الأيمن داخل السيارة، فاقترب شخص منه وسحب مسدسا واطلق النار على رأسه من الخلف.
اما الجريمة الثانية فاستهدفت سائق التاكسي الياس عاصي (من مواليد دير الاحمر – في العقد الثالث من العمر) الذي نجا بأعجوبة. ويروي عاصي أن شابين احدهما اسمر البشرة وطويل القامة قصير الشعر ويرتدي "جاكيت" سوداء، والثاني ابيض البشرة وقصير وبدين طلبا منه ايصالهما الى بلدة غبالة (قضاء كسروان) فطلب منهما 50 دولار اجرا فدفعا له ما أراد، فجلس احدهما الى يمينه فيما جلس الثاني خلفه الى اليسار .وفي الطريق بين غدراس والكفور طلبا منه التوقف في محلة مظلمة، "وما ان فتح الجالس الى يميني باب السيارة حتى شعرت بحرارة في رقبتي وضوءا لامعاً داخل السيارة ثم غبت عن الوعي". ويبدو ان عاصي نجا من الموت لأن الرصاصة انزلقت من أذنه الى حنكه وخرجت من فمه ولم تحطم جمجمته. ولكن القاتل ظنّ ان عاصي قد قتل.فتركاه وتواريا.
ولدى مرور مواطنين في المحلة اسعفوا عاصي ونقلوه الى المستشفى للمعالجة فيما انتقل الجانيان بسيارة عاصي الى سن الفيل واوقفاها هناك وفرا.
والجريمة الثالثة ذهب ضحيتها سائق "تاكسي" سوري الجنسية حيث وجد في سيارته في محلة النبعة مصابا بطلق ناري في خلف رأسه، ولم يظهرانه قتل بدافع السرقة، اذ عثر في جيوبه على مبلغ من المال وكذلك وجد مبلغ آخر في جواربه فضلا عن وجود محفظته وهاتفه الخلوي.
والجريمة الرابعة ذهب ضحيتها سعيد عبد النور (1963) في محلة سن الفيل – الجسر الواطي حيث تم إطلاق النار على رأسه من الخلف والقيت جثته تحت جسر انطلياس.
والجريمة الخامسة سقط ضحيتها البير رامز النشار (1959) وتبين انه اصيب بطلق ناري في رأسه ولم يقتل بدافع السرقة.
وتقول مصادر امنية لـ"الجمهورية" في هذا المجال ان مرتكب هذه الجرائم ليس قاتلا تسلسليا لأنه لا يترك بصماته اينما كان، والمرجح ان هناك جهة واحدة، وربما اكثر من قاتل.
واللافت ان في الليلة نفسها التي قتل فيها عبد النور والنشار احرقت سيارتاهما ما دفع المحققين الى الظنّ في انهما استخدمتا في ارتكاب جرائم اخرى، ما دفع الجناة الى حرقهما لإخفاء البصمات والبصمة الوراثية (دي. ان. اي) وآثار المتفجرات، حيث ان مثل هذه البصمات والآثار لا تختفي الاّ بالحريق.
والجريمة السادسة قتل فيها احمد حسين عبدالله في سد البوشرية بطلق ناري في الرأس.
والجريمة السابعة ذهب ضحيتها أميكال اديس كوسين (سوداني) في محلة ضبية وايضا وجد مصابا بطلق ناري في الرأس.
الجريمة الثامنة وقعت السبت الماضي في سن الفيل – طريق النهر وسقط فيها العريف في الجيش هاني ديب (30 عاما) الذي كان اوصله صديقه من آل معلوف من عاليه الى سن الفيل. ولم تظهر عليه آثار سرقة.
الجريمة التاسعة وقعت السبت الماضي ايضا وذهب ضحيتها اغوب جرجي كريقوبيان الذي وجدت جثته امام كنيسة مار مارون في محلة الدورة ولم تظهر انه قتل بدافع السرقة.
الترابط والملاحظات في التحقيقات
واللافت ان كل هذه الجرائم تقع في منطقة تمتد من سن الفيل الى النبعة والدورة وضبيه وصولا الى انطلياس وغدراس، وان الفارق بين كل جريمة واخرى لا يتعدى الاسبوع او الاسبوعين وان الجامع المشترك بين هذه الجرائم حسب التحقيقات الرسمية هو الآتي:
-كل الجرائم ارتكبت بين منتصف الليل والثالثة فجرا.
– غالبية الضحايا هم من سائقي التاكسي كونهم ضحايا سهلة المنال ليلا.
– جميع الضحايا لم يتعرضوا للسرقة، وجميعهم قتلوا بمسدس من نوع واحد من عيار 7 مليمتر مزود كاتما للصوت، وبرصاصة في الرأس من الخلف.
– كل هذه الجرائم ارتكبت في منطقة المتن باستثناء واحدة ارتكبت في كسروان.
– لو كانت هذه الجرائم تسلسلية لما كانت اختلفت بعض الافعال الجرمية عن الاخرى، ولما كان كاتم الصوت قد استعمل لأنه في مفهوم القاتل المتسلسل كونه مجرما نفسيا يطبّق الافعال نفسها على ضحاياه حتى أصغر التفاصيل ما يعني ان هذه الجرائم ليست جرائم متسلسلة بمعنى الجريمة النفسية واثبات الدافع اليها.
فبعد قتل عبد النور والنشار تم حرق سيارتيهما بهدف اخفاء الدلائل وهذا يعني ان الجرائم ارتكبت لغايات اخرى ليست بدافع السرقة بالتأكيد لأن جميع المغدورين وجدت نقودهم في جيوبهم وهواتفهم في حوزتهم.
-ويقول خبراء في علم الجريمة انه اذا كانت هذه الجرائم ليست ذات طابع نفسي مرضي ولم ترتكب بدافع السرقة، وكونها وقعت في منطقة جغرافية معينة فإن الهدف منها احداث بلبلة في هذه المنطقة وترهيب اهلها خصوصا وان القتلة يختارون ضحايا سهلة (سائقي تاكسي وركاب تاكسي).
على ان هذه الجرائم تعيد الى الاذهان الارهاب التفجيري الذي كانت تعرضت اليه المنطقة المسيحية من برمانا الى الكسليك قبل بضعة سنوات.
وتجدر الاشارة الى ان منطقة انطلياس كانت شهدت قبل بضعة اشهر انفجارا اودى بشخصين نجم عن انفجار عبوة بهما وقيل انهما كانا يريدان مالا من احد التجار.
وفي اي حال فإن التحقيق في هذه الجرائم موزع بين فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي وجهاز امن الدولة والمخابرات العسكرية لوجود احد العسكريين بين الضحايا.
(ملاحظة: عُثر امس على جثة رجل مجهول الهوية داخل "ريغار" تحت جسر الكولا).