كم يؤسفنا ان نرى في لبنان فريقا لبنانيا مشدودا بولاءاته روحا وجسدا ووجودية الى نظام خارجي بغض النظر عن كون هذا النظام سوريا او غير سوري…
وكم يؤسفنا كلبنانيين ان نرى الى اي حد من التبعية والملكية اكثر من الملك ينساق بعض اللبنانيين الى حشد طاقاتهم وامكاناتهم ومواقفهم ومجهودهم في سبيل دعم نظام ولو كان عربيا ولو كان شقيقا – على حساب شعب هذا النظام المطالب بالحرية والكرامة…
اما بعد، وازاء المشهد اللبناني الملبد بغيوم الثورة السورية وتفاعلاتها وانفعالاتها الممتدة من الجامعة العربية الى اروقة الامم المتحدة ومجلس الامن – مرورا بعواصم دول كبرى تحاول احياء الحرب الباردة باستخدام اوراق الرفض والفيتو حفاظا على مصالح انية لن تعمر اذا تمكنت الشعوب من استرداد انظمتها من ايد حكامها الغاصبين – لا بد من تسجيل الملاحظات الاتية:
اولاً: عندما اسس ميشال عفلق ورفاقه فكر القومية العربية – لم يكن في بالهم انها تعني الانظمة دون شعوبها – بل كانت وتحت وطأة نير السلطنة العثمانية انذاك تحاول من خلال هذه الفكرة انقاذ الشعوب العربية وانهاضها لنصرة كراماتها واستقلاليتها عن المحتل العثماني – وبالتالي هذه هي العروبة التي لطالما تربت اجيال واجيال عليها وصولا الى الاجيال الحالية لشعوب المنطقة – وابرز تجلياتها السياسية والسيادية تمثلت في مؤسسة الجامعة العربية التي لم تنشأ الا لتكون جامعة الشعوب مكونات الامة العربية – لا جامعة الحكام والانظمة – خصوصا ان اكثرية الانظمة العربية الاحادية والاستبدادية كانت وريثة استعمار واحتلال اجنبيين ولم تأت بقرارات وارادات شعوبها – فالعروبة كقومية عربية هي التي تمتلك شعوب المنطقة مفاتيحها ومشروعيتها وشرعيتها وليس الحكام ولا انظمتهم بدأ من سوريا ونظامها الحاكم.
ثانياً: ان العروبة ارادها مؤسسوها فكرة قومية جامعة لا مجموعة افكار وان تعددت فكريا اتجاهاتها من يسار اشتراكي كما مع حزب "البعث العربي الاشتراكي" الى فكر ديني اسلامي كما المفكرين امثال عبد الرحمن الكواكبي ومنير شفيق – الى اتجاه ليبرالي مع مفكرين عروبيين امثال خير الدين حسيب وصولا الى الاتجاه الناصري المصنف وسطيا – وبالتالي لم تكن العروبة يوما بنظر كل هؤلاء رهن دولة او نظام او حاكم ولا حكرا على نظام او حاكم ولا خاضعة لتفسير حاكم او نظام لها او بحسب اهواء هذا او ذاك من تلك الانظمة – والحقيقة ان النظرة الانتقائية للعروبة مع انظمة كما النظام السوري باتت مذهبا تقسيميا وتفرديا واحتكاريا لا بل استئثاريا مع مزايدة في الانتماء. ما يساهم في جعل النظرة الى جامعة الدول العربية مثلا في مواقفها المبدئية الشجاعة الاخيرة رديفة بنظره للصهيونية والاستعمار كما قد يخون لاحقا- ربما منظمة المؤتمر الاسلامي او منظمة عدم الانحياز ان هي اتخذت مواقف سياسية الى جانب ارادة الشعب السوري لا ارادة النظام.
فاخطر ما تعانيه عروبة النظام السوري اليوم وانعكاسه على الساحة الشرق اوسطية – هو تشكيكها بنفسها قبل ان تكون في معرض تشكيكها بالعرب الاخرين… وهذا ما قد يفسر التناقض الكبير في مواقف النظام منذ قرارات اللجنة العربية الاخيرة بين تهجم ثم اعتذار ثم عودة للمطالبة بقمة عربية وادعاء الانفتاح على المبادرة العربية…
صور لصراع حقيقي في قلب النظام السوري بين هويته التي ادعاها عربية قومية يوما وبين مصلحة بقائه واستمراره ولو على حساب تلك "اليافطة" اي العروبة التي ادعاها – ليتهمها اليوم بانها عروبة صهيونية اميركية وغربية … في انقلاب دراماتيكي للنظام السوري على اسس لطالما بنى عليها امجادا واهية وممانعة مصلحية …
ثالثاً: وسط كل هذه الحقائق وفي ضوء التطورات وتبدل المعطيات – يطرح السؤال بشأن واقع قوى النظام السوري في لبنان اي قوى "8 اذار" – التي على ما يبدو قررت "سورنة" لبنان وتقزيم مصالح لبنان الى الحجم الذي يخدم النظام السوري اولا… وهم كانوا يعيبون على قوى ثورة الارز و"14 اذار" مقولتهم "لبنان اولا"…
فهاهم ينحدرون الى مناصرة نظام الاسد اولا…
هؤلاء اللبنانيون "مع وقف التنفيذ" في "8 اذار" نسألهم:
الى كم ثورة كثورة 1958 يحتاجون بعد ليعودوا الى لبنان…؟
الى كم حرب كحرب 1975 يحتاجون بعد ليدركوا ان دورهم هو في صون لبنان والعمل من اجل لبنان لا من اجل الاخرين؟
الى كم اتفاق طائف يحتاجون بعد ليدركوا ان مصالح لبنان العليا لا تدار الا من بيروت وعبر وحدة لبنانية جامعة لبناء دولة قوية قادرة ومنيعة… ؟
الى كم زلزال سياسي وامني كزلزال 2005 و2006 يحتاجون بعد ليدركوا ان التبعية للاخرين تستتبع زوالا مع الاخرين، فيما التبعية للوطن تخلده وتخلدهم على صفحات العزة والكرامة…؟
لا نحسدهم في "8 اذار"… يكادون يفقدون بوصلتهم… فبفضلهم باتت العروبة في مواجهة سورنتهم…
