أبسط شيء استبعاد نشوب حرب لم تقع بعد، والأبسط أكثر هو أن يقول صاحب الإستبعاد أنّه على حق طالما أنّها لم تقع. لكنّ أكثر الحروب هولاً وفتكاً وإتساعاً في العصر الحديث هي التي سادَ شبه إجماع من طرف الخبراء والمحلّلين والصحافيين على انتفاء إمكان وقوعها، والحالُ أنّ أيّ تحليل يستند إلى قياس الشاهد على الغائب، ويتجاوز استشراف الإحتمالات المستقبلية إلى مصادرة الغيب، ويطعن في أصالة الشرّ والعدوانية والعنف في هذا العالم، ويغالي في قدرة السياسة والديبلوماسية على تفادي الحروب، هو تحليل لا يعوّل عليه، أو على أقل تقدير لا يعوّل عليه وحده. الحروب وكما الثورات كما الزلازل يمكن الخوض في إحتمالاتها، لكن لا يمكن إستبعادها تماماً في أي وقت أو مكان.
والحروب، أي الحروب الساخنة بين البلدان المختلفة، لا تلك الإعتباريّة أو الإفتراضيّة، ولا تلك الأهليّة فقط، لم تنته مع أفول "الحرب الباردة"، ولا انتفت الحاجة إليها، كمرتكز ماديّ وحيويّ لتحديد الأحجام والتوازنات وتصريف التوتّرات والتناقضات، واستمرّت الحروب الساخنة عنصراً أساسيّاً في تحقيب الزمن الجاري، سواءَ في صربيا أو في أفغانستان أو في العراق أو في لبنان وجيورجيا، ثم حدث أن تراجعت الوتيرة منذ الأزمة الإقتصاديّة والماليّة العالميّة، إلى الدرجة التي أوهمت كثيرين بأنّ الحروب انتهت لأنّها لن تجد من يموّلها بعدَ الآن، ثم أوهمتهم مع اشتعال الثورات العربيّة، بأنّه ربما كان يستعاضُ عن ديناميّة الحروب بديناميّة الثورات، وفي الحالتين إدارة ظهر كليّة الفظاظة لأهمّ الدروس التي يمكن استقاؤها من القرن العشرين: التداخل العضويّ بين الأزمات الإقتصاديّة والثورات.. والحروب.
وقد تكون أحاسيس مرهفة من مثل نشدان السلام هي ما تدفع البعض الى التطوّع التبشيريّ في استبعاد الحروب، أو قد تدفعه إلى ذلك سذاجة بعض الذين يندفعون في المقلب الآخر إلى نوع من الشعوذة يتّصل بنشر سيناريوهات وخرائط عن الحروب الآتية، إلا أنّ كلّ هذا لا يبدّل في الأمر شيئاً: "السلام الدائم" الذي ابتغاه بعض فلاسفة عصر التنوير الأوروبيّ لا يصلح منطلقاً لوصف الواقع الحاليّ، ولو أنّه حقيقة واقع لا يوحي ظاهره بأنّ الحروب قاب قوسين أو أدنى.
لقد أدّت الحروب في أفغانستان والعراق ولبنان وجيورجيا دوراً محوريّاً في تشكيل التوازنات الإقليميّة والدوليّة التي يجري الإستناد إليها اليوم، وعلى الصعيد الجيو-استراتيجيّ الأكبر، قد تكون حربا أفغانستان وجيورجيا هما الأهم. فالوجود العسكريّ الأميركيّ والأطلسيّ في أفغانستان مثّل أخطر تحدّ بالنسبة إلى روسيا، وبالنسبة إلى نفوذ روسيا في آسيا الوسطى. أما الإنتصار الروسيّ الكاسح والسريع ضدّ جيورجيا فمثّل نقطة فاصلة في إستعادة روسيا لموقعها على الصعيد العالميّ، وقد ارتدّ ذلك ايجاباً بشكل أو بآخر على إعادة فرض "معادلاتها" في أوكرانيا أو في آسيا الوسطى.
ومن هذا الإطار الجيو استراتيجيّ الأكبر بالذات، ينبغي المتابعة والتدقيق لكلّ المواد التحليليّة منها والدعائيّة، التي تصعد حيناً وتخفت حيناً آخر حول إحتمال تسديد ضربة عسكرية لإيران، وهذا يعني المحاذرة من الإندفاع رأساً لإستبعاد هذا الإحتمال أو للبناء عليه حصراً لا غير. هذا مع التنبيه إلى أنّ إحتمال الحرب على إيران أمر لا يتقرّر فقط في المعطى الجيو استراتيجيّ العام، أو نسبة الى التسويغ اللازم في إطار المجتمع والقانون الدوليين، أو نسبة الى مسار التفاوضات وما إليها، أو نسبة إلى مجريات الأمور في الشرق الأوسط، وتحديداً أزمة احتضار النظام البعثيّ أمام الثورة الشعبية الشجاعة في سوريا، بل ثمّة مع ذلك كله، وقد يكون قبله معيار علميّ تكنولوجيّ بحت، يتصل بالتشخيص الغربيّ لطبيعة التقدّم الذي حقّقه البرنامج النووي الإيرانيّ، إذ المسألة هنا لا تقاس على "الأسلحة الكيميائية" في الحالة العراقية. وما دامَ أهل التحليل السياسيّ ليسوا أقرب الناس في أهوائهم تقرّباً من التقارير العلميّة البحتة، فلا بدّ من ترك المسألة إلى أصحاب النظر فيها من موقع علميّ تكنولوجيّ بحت، لأنّ هؤلاء سيلعبون دوراً أساسيّاً في مسألة ترجيح أو توقيت الضربة العسكرية الى البرنامج النووي الإيرانيّ.