#adsense

قراءة دبلوماسية للتداعيات الأمنية للأزمة السورية

حجم الخط

بعدما استمع مليّاً للقرار الصادر عن مؤتمر وزراء الخارجيّة العرب القاضي بتجميد عضويّة سوريا في الجامعة العربية، والذي تلاه وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم في مؤتمر صحافيّ، قال ديبلوماسيّ عربيّ مقيم في لبنان "للجمهورية" خلال جلسة خاصة :

"إنّ صدور هذا القرار عن الجامعة العربية يتطلّب منّا التمعّن في قراءته بجدّية وبعمق، لأنّه يحمل إيحاءات وقراءات حول الواقع المستقبليّ القاتم للنظام في سوريا، وكون صدور مثل هذا القرار يعتبر من الحالات النادرة التي تلجأ اليها الجامعة، وهي حصلت سابقاً على سبيل المثال لا الحصر، على خلفيّة إقدام مصر على توقيع اتّفاقية سلام مع إسرائيل عام 1979، يومها تضمّنت قرارات المؤتمر الاستثنائي لمجلس جامعة الدول العربيّة على مستوى وزراء الخارجيّة والاقتصاد الذي انعقد في بغداد في شهر آذار 1979 توصيات تدعو لقطع العلاقات الديبلوماسية مع مصر، وسحب السفراء وتعليق عضويتها في الجامعة العربيّة.

كرة الثورات

وتابع الدبلوماسي العربي: "إنّ على القيادة السوريّة والرئيس بشّار الأسد بالتحديد أن يدرك أنّ كرة الثورات الشعبيّة المتدحرجة في المنطقة ألقت بثقلها على الواقع، وفرضت تبدّلات جوهريّة في الخطاب السياسيّ العربي، ولم تعد معها سوريا بمثابة حجر الزاوية في توجّهات وقرارات الأنظمة العربية، بحيث كلّنا نعلم بأنّ سوريا كانت فيما مضى، ولأسباب سياسيّة وأمنية، ولقربها الجغرافي من إسرائيل، ولوجود قسم من أراضيها تحت الاحتلال الإسرائيلي، وإمساكها بمفاصل الوضع اللبناني الذي كان مشتعلاً، تفرض حضورها ومسارها وتوجّهاتها في معظم قرارات مؤتمرات القمم العربيّة، ومؤتمرات وزراء الخارجية، وخصوصا تلك التي كانت تتعلق بلبنان، من مؤتمر بيت الدين في تشرين الأوّل 1978 إلى مؤتمر الطائف 1989، وإلى القمّة العربية في بيروت في آذار 2002، وحتى صولاً الى مؤتمر الدوحة للحوار بين الأطراف اللبنانيّين في أيّار 2008.

المبادرة العربيّة

وتابع: "إنّ من أكبر الأخطاء التي ارتكبها حكّام دمشق، تجاهلهم خطة العمل العربية لمجلس جامعة الدول العربية، والتي عُرفت بـ"مبادرة الجامعة العربية" لحلّ الأزمة السوريّة، وخرق هذه المبادرة بمزيد من التصعيد والقمع والقتل، وخاصة في منطقة بابا عمرو في حمص مؤخّراً، على رغم التبريرات والادّعاءات التي أطلقها مندوب سوريا في الجامعة السفير الأحمد حول تطبيق سوريا بنود المباردة، وذلك في معرض ردّه على قرار تجميد عضويّة بلاده".

ورأى الديبلوماسيّ العربي "أنّ المبادرة كانت تهدف الى توفير الحماية العربية للنظام السوريّ و"تعريب المشكلة السوريّة"، حتى لا يندرج الملفّ السوري في إطار التدويل والتدخّلات الدوليّة، لأنّه يكفينا ما حصل في العراق وليبيا، وقبلها في الكويت. وعلى الرئيس الأسد أن يتّعظ من تجربة الرئيس صدّام حسين".

وأضاف: "لا أكشف سرّا إذا قلت إنّ الوفود العربية التي زارت الرئيس بشّار الأسد قبل فترة أبلغته مخاوفها في هذا المجال، ونصحته باحتواء الأزمة الداخليّة بمزيد من القرارات والالتزامات والإصلاحات، والقبول بالحوار مع المعارضة في أيّ مكان أو زمان، وبوقف شلّال الدم، والاعتراف بوجود أزمة حكم في سوريا، قبل ان نرمي دوما بالمسؤوليّات على الخارج، والعودة الى العزف على نغمة "المؤامرات الدوليّة" على سوريا كونها من الدول الممانعة، والداعمة للمقاومة، وما إلى ذلك من شعارات لم تعد تقنع المواطن السوريّ الطامح للحرّية والعيش الكريم".

ردّ الفعل السوريّ

أمّا عن توقّعاته حول ماهيّة ردّ الفعل السوريّ على قرار تجميد عضويّة سوريا، فقال الديبلوماسيّ: "يجب أن نكون واقعيّين في هذا المجال، لا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال، وحَذِرين من أيّ تصرّف قد يلجأ اليه النظام السوريّ في حال شعر بخطورة الموقف واقتراب سقوطه، وأن نعترف بأنّ النظام السوري يملك عدة أوراق قد يستخدمها في حال وصوله إلى حافّة الهاوية، لعلّ أبرزها علاقاته الوثيقة وتحالفه المتين مع إيران ومع حزب الله في لبنان، والتي قد يستثمرها في أيّ عمل عسكريّ معيّن قد يلجأ إليه هذا الحلف الذي يجمعه المصير الواحد، فضلا عن أنّ التقارير الأمنيّة الغربية التي اطلعت على مضمونها شخصيّات امنيّة عربية تشير الى انّ لسوريا القدرة على تحريك خلايا ومجموعات نائمة في اكثر من دولة عربية وأوربّية، ومعظم أفراد هذه المجموعات من العناصر السابقة لتنظيم القاعدة، ومن عناصر أصوليّة مختلفة، سبق أن لجأت الى سوريا منذ سنوات هرَباً من الحملات العسكرية الاميركيّة التي استهدفتها في مناطق ديالى وبَعقوبة وتكريت.. وقد تمكّن المسؤولون السوريّون من تجنيد هذه المجموعات والخلايا لصالحهم من خلال معسكرات تدريب وإعادة تأهيل أقيمت في منطقتي تدمر والزبداني في سوريا، إضافة الى قدرة سوريا على تحريك التنظيمات الفلسطينيّة الموالية لها والمنتشرة بصورة خاصة في لبنان.

والكلّ قرأ منذ مدّة عن عودة النشاطات العسكرية لتنظيم الصاعقة في لبنان، وعن انتقال عناصر من حركة فتح – الانتفاضة من سوريا الى البقاع، وعن نشاطات مشابهة للجبهة الشعبية – القيادة العامّة…، في حين تؤكّد معلومات من أكثر من دولة خليجيّة رصدَ تحرّكات لخلايا أصوليّة على أراضيها".

تشاؤم وقلق

وأبدى الديبلوماسيّ العربيّ تشاؤمه وقلقه حيال الوضع في سوريا، والمفتوح على كلّ الاحتمالات، وتساءل: "ما المانع، بعد انكشاف سوريا عربيّاً، من صدور قرار على مستوى مجلس الأمن وحلف الناتو بالتدخّل العسكريّ لحماية الشعب من ممارسات النظام؟ فمن غير الممكن أن تعود الأوضاع في سوريا الى ما كانت عليه قبل انطلاق الثورة، لأنّ التقارير الواردة من الداخل السوريّ تشير الى حالة انقسام أفقيّة تسود أوساط المجتمع السوريّ، إذ إنّ هناك المئات من العائلات من أبناء طائفة معيّنة غادروا مناطق وأحياء في حمص ودمشق واللاذقية، أغلبيّة سكّانها من أبناء طائفة مغايرة، والعكس صحيح، كما أنّ فقدان الكثير من العائلات لأبنائها، سواء بالقتل أو الخطف أو الاعتقال، زاد الهوّة بين الشعب والنظام، فليس بالضرورة ان تستمرّ المعارك والاحداث حتى ينهار هذا النظام، لأنّ الوحدة الوطنيّة هي الاساس، وتزعزع هذه الوحدة هو الأخطر في هذا الإطار، وعلى رغم أنّ هناك من يقول أنّ الرئيس بشّار الاسد يتمتّع بتأييد أغلبية الشعب السوريّ، فحتّى هذا لا يشكّل حماية للنظام، لأنّنا لا نتحدّث هنا عن نظام ديموقراطيّ يعبّر فيه الشعب عن حرّيته بشكل حرّ وسليم، حتى نثق بهذا التأييد، فقد سبق وشاهدنا مظاهرات التأييد الشعبية للرئيس صدّام حسين، والرئيس التونسي بن علي، وآخرها مظاهرات التأييد للعقيد القذافي وغيرهم .. وكانت النتيجة سقوط هؤلاء من دون أن تنفعهم كلّ هذه الهمروجات التي كانت تستخدمها في ما مضى الأنظمة الشيوعيّة.

دعم المعارضة

وتوقّع الديبلوماسيّ العربي في حال بقاء الموقف السوريّ على ما هو عليه في الأيّام المقبلة "أن يتمّ دعم توجّهات المعارضة السوريّة بشكل عمليّ، والعمل على "مأسسة" هذه المعارضة في إطار قانونيّ، وتأمين الاعتراف الرسمي العربي لها وحتى الدوليّ، والانصراف الى رسم مصير الوضع في سوريا بشكل علميّ مدروس حتى لا تتكرر التجربة العراقية مرّة ثانية، وأقول العراقيّة لأنّ هناك تشابها كبيرا بين طبيعة النظام السوريّ والنظام العراقيّ أيّام الرئيس صدّام حسين".

حزب الله

وعن احتمال تدخّل حزب الله وقيامه بعمل عسكريّ معيّن دعماً للنظام في سوريا على مستوى الساحة اللبنانيّة على الأقلّ، ختم الديبلوماسيّ قائلاً: "من وجهة نظري وتحليلي المستند إلى لقاءات وأحاديث مع مقرّبين من الحزب، إنّ قيادة حزب الله لا يمكنها أبداً أن تغامر في فقدان الورقة اللبنانيّة بعد ان تكون فقدت الورقة السوريّة، وما السعي الى معاودة عقد جلسات الحوار في لبنان إلّا مخرج يلجأ اليه حزب الله من أجل تحصين وضعه الداخليّ في لبنان، بسبب مخاوفه من اقتراب موعد سقوط النظام السوريّ، لأنّ نقطة ضعف الحزب تكمن في تورّطه في صراعات داخليّة، لذا لا يمكنه أن يضع نفسه في مواجهة مع الداخل ومع الخارج في نفس الوقت وفي سياق مرحلة حسّاسة مليئة بالألغام، وتحمل الكثير من المفاجآت والتوقّعات، وإن كنّا نشتمّ رائحة البارود في هذه الفترة".

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل