#adsense

ليس هل بل متى؟

حجم الخط

عمل الرئيس حافظ الأسد بحذق ومهارة على أن تكون سوريا اللاعب الاقليميّ الأوّل. جمّع «الأوراق» التي كان يعتقدها تؤهّل دمشق لهذا الدور. وساعده في ذلك خروج مصر إلى «كامب ديفيد»، وانفراده، كدولة، بتزعّم مواجهة اسرائيل. تحالف، يوما، مع الأردن، وأيّاما مع ياسر عرفات، وأراد دوما الإمساك بـ «الورقة الفلسطينيّة» و»الورقة اللبنانية». تلاعب بـ»السّاحتين»، كيفما تراءت له المصلحة التي يعتقدها استراتيجية، بدم بارد دائما، وبالدماء اللبنانيّة والفلسطينيّة الحارّة دائما أيضا.

فالغاية «القومية» برّرت دائما الوسيلة، حتى حين تحالف مع إيران الخمينيّة في الإقليم عموما، وعلى الأرض اللبنانيّة خصوصا، بعد عداء في شوارع بيروت وفيافي الجنوب، دفع الآلاف من أهليهما ثمنه دماء ودمارا ودموعا.

حوّلت خطّة الأسد الأب، المشبعة بالمكيافيلية، سوريا إلى لاعب اقليميّ لا يمكن تجاوزه، كان لبنان «ملعبه» الأساس، والقضية الفلسطينية مَداه. وفرض ما بين الحيّزين شروطه ومواصفاته على الحياة السياسية العربية المشتركة، وعلى الأدوار الدوليّة في الإقليم. لم يكن لاتفاق الطائف أن يولد لو لم يضمن، في النصّ، «ممرّات» له إلى استمرار تحكّمه بالقرار اللبنانيّ على كلّ الصعد. كما لم يكن لتحرير الكويت من غزو صدّام أن يكون على يد التحالف الدوليّ بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، لولا تمديد «ولايته» على لبنان ثمنا.

كان يحسن «تصيّد» الفرص، وتحضير الأجواء «لخطواته الشطرنجية» على رقعة الأحداث المتسارعة، كالتشجيع على «حرب العلمين»، إن لم يكن هو من «رسمها» بين «حركة أمل» و»الحزب التقدّمي الاشتراكي» لجعل عودة الجيش السوريّ إلى بيروت عام 1986 مطلبا أهليّا، بعدما كان خروجه قبل الاجتياح الاسرائيلي وبسببه عام 1982 أمنيّا وشعبيّا.

وفي الأساس، كان هذا النظام طليع الأنظمة العربية التي أرادت الهروب من سقوطها في امتحان القضية العربية في وجه اسرائيل عام 1967، من دون أن تدفع لشعوبها أثمان خذلانها، فوجدت حمايتها بإخلاء الدرب، نظريّا، للمقاومة الفلسطينيّة الناشئة، التي واجهت النظام الأردني (أيلول الأسود عام 1970)، بعدما اصطدمت بنيةُ الدولة المَمسوكة في المملكة بفوضى السلاح والتحرير.

حوّلت المواجهة في الأردن «المقاومة الفلسطينية» إلى متفجّرة تهدّد من يحملها، فهربت كلّ الأنظمة من احتضانها، إلّا عن بعد؛ وتواطأ الجميع على جعل لبنان، الضعيف في تركيبته، حضنا بديلا، تنطلق المقاومة منه وفيه، وتبقى الأنظمة في مواقع سلطتها، وتمنّن العرب برعاية أملهم الجديد في تحرير فلسطين واستعادة القدس.

«سرّب» النظام السوري «المصحّح» بقيادة الأسد الأب، المقاتلين الفلسطينيين من الأردن إلى لبنان، واكتسب سمعة مفادها أنّه يحمي «المقاومة الفلسطينية»، من دون أن تسجّل الوقائع عمليات لها عبر حدوده مع العدوّ: برّأ نفسه من هزيمة 1967، وصار مجدّدا، صاحب فضل في النصر الموعود.

حين تعاظمت وطأة الدور الفلسطينيّ في الحياة اللبنانيّة، واصطدم منطق الدولة بمنطق المقاومة، وأدّى عجز الأولى إلى تفريخ الحرب الأهلية، صار الدّاء هو الدواء، وبات تدخّل النظام السوريّ هو الحلّ الشافي. ولأنّ نيران لبنان صارت تهديدا لكلّ العرب، صارت دمشق المروّض المتمكّن من رَسن هذا «الوحش» والقادر على التلويح بإفلاته حين يريد، أو تضييق الخناق عليه حين يستنسب.

صارت دمشق اللاعب الاقليمي، الذي لا يمكن تجاوزه، وصارت مشورة القابع في قصر المهاجرين، مشتهى اللاعبين الدوليين في كلّ ما يخصّ المنطقة. اليوم باتت سوريا موضع تشاور وموضوعه. وسوريا ليست مصر. فعلى مرّ العصور ظلّ دور القاهرة وازنا في تاريخ المنطقة، سواء أدارها محمد علي أو حسني مبارك. أمّا دمشق فكانت تكبر متى كبرت رؤية قيادتها.

اليوم، تتحوّل سوريا من لاعب اقليميّ أراده الأسد الأب دورا لها، إلى ملعب اقليميّ تحوّلت إليه بفعل وعود بالاصلاح تجرجر منذ تسعة أشهر.

كان يمكن للخلف أن يكون أكبر من السلف، لو أحسن التقاط اللحظة التاريخية، ولاقى الانتفاضة في منتصف الطريق، يوم انطلقت في 15 آذار الماضي ضدّ النظام، لا رأسه، لكنّه أبى إلّا أنّ يلتصق به.

السؤال اليوم لم يعد «هل يسقط النظام» بل متى؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل