هناك شبهٌ كبيرٌ بين خطاب الأمين العام لحزب الله الأخير، وكلام المندوب السوري بعد صدور قرار الجامعة العربية بشأن سورية· فقد تضمّن خطاب الأمين العام للحزب ثلاثة أمور رئيسية: أولها أن موقفه من الدفع للمحكمة الدولية سيكون مثل موقف الولايات المتحدة من الدفع لليونيسكو بعد الاعتراف بفلسطين! وثانيها أن النظام السوري باقٍ لأنه نظام مقاومة وممانعة، ومعه إيران والعراق وحزب الله في لبنان، والمقاومة في فلسطين! وثالثها أنه لا حرب بالمنطقة إن لم يبادر العدو الى الهجوم على لبنان أو إيران! والأمر نفسه أو بعضه قاله الأحمد مندوب النظام السوري بالجامعة: قرار الجامعة مؤامرة خارجية على نظام الممانعة والمقاومة، وهو لا يساوي الحِبْر الذي كُتب به·
أما منطق الحرب، فيختلف بشأنه الحزب والنظام السوري· فالحزب يميل إلى طمأنة أنصاره في لبنان لأنهم خبروا أهوال الحرب، حتى إذا حصلت فيمكن تحميل اسرائيل المسؤولية والذهاب إلى منطق الدفاع· أما النظام السوري فهو يهدّد بالحرب إنما ليس اسرائيل بل العرب الآخرين·
ويصل به الأمر الى حدود الطلب المبطّن من الاسرائيليين أن يشنّوا هم الحرب لمساعدته! على أن هذا <الخلاف> الظاهر بين الحزب والأسد لا ينفي شدة التشابه في التوجّهات، بسبب الموقف المأزقي الذي يجدون أنفسهم فيه· فالحرب والتهديد بها وتوظيفها وقوعاً وعدماً هي صناعتهما على مدى العقود التي تعاونوا خلالها وتجاذبوا وتصارعوا وتشاركوا مع <العدو الغاشم>· إنما المشكلة أنهم ما تعلّموا بعد متغيّرات الزمان الجديد، فالمتغيّرات تجعل من الحرب من جانبهم أو جانب اسرائيل أموراً غير مفيدة لهم، رغم الخرائط الوهمية الجغرافية والمذهبية التي يرسمونها ثم يعيدون رسمها كل يوم كأنما لطمأنة النفس، أكثر مما هو لإظهار حقيقة استراتيجية!
إن المتغيّر الرئيس بالمنطقة هو نزول الجمهور العربي إلى الشارع، لتغيير أنظمة الحكم في الجمهوريات الوراثية الخالدة· ولذا فإن المتضررين الرئيسيين هم ثلاثة أطراف: أنظمة الحكم ذاتها، والمقاومات والمعارضات التي كانت تعمل مع أنظمة الحكم نيابةً عن الجمهور باعتبارها تمثِّل الناس الغائبين المُعادين لإسرائيل· والطرف الثالث: اسرائيل التي كانت مطمئنة بسبب غياب الجمهور، وتعاون أنظمة الحكم، واقتصار <المقاومة> على التجاذب مع أنصار إيران بالمنطقة! وقد بلغ من اختلال موازين القيم في المرحلة (الماضية) أن يُهدّد النظام السوري الناس بحربٍ اسرائيلية، ويعمد الأمين العام لحزب الله لتهديدنا بتقليد الولايات المتحدة في عدم الدفع للمحكمة، كما أعرضت أميركا عن الدفع لليونيسكو! فكيف يكون النظام السوري شيخ القومية العربية (في نظر حزب الله وبطرك الروم الكاثوليك لحّام)، ثم يهدّد شعبه والعرب بأن اسرائيل سوف تشنّ الحروب إن ازدادت الضغوط عليه – ويذهب الأمين العام للحزب الى تقليد الولايات المتحدة في هذا الموقف غير المشرِّف وغير الإنساني: أميركا تظلم فلسطين وتخضع للصهاينة، والأمين العام للحزب يرفض العدالة التي يقول بها ويريدها فريقٌ كبيرٌ جداً من مواطنيه، متحججاً بأن أميركا ما دفعت أيضاً!
بيد أن هناك أمراً ثانياً أو ثالثاً ينبغي التنبُّه إليه، وهو سوف يحتلّ صفحات الصحف الأولى خلال الأسابيع القادمة: شتم العرب والعروبة، من جانب <تحالف الأقليات> القائم هذا! لقد انصرف النظام السوري في الشهور الماضية لشتم الإسلام بحجة الأصولية والإرهاب·
ونحن نعرف أن النظام فرع من العروبة أيضاً هو وحزب البعث العظيم منذ عقدين ونيّف· فلنراقب كيف يندفع جماعة إيران، وجماعة الحزب القومي السوري، وجماعة تحالف الأقليات، في شتم العروبة الخليجية، والعروبة الاسلامية، وعروبة الجامعة العربية· فإذا كانت قد بقيت أوهام من نوع ما في ستر مغطّى، فإن ذلك سينكشف بسرعة من جانب الشبان الأشاوس وفي وسائل إعلام لبنان قبل سورية والعراق· فلا رهان على أي شيء مع الحزب والنظام السوري،· ومَنْ راهن لديهما على عروبة أو إسلام، فإنه يُراهن ولا شكّ على أوهام!