
كتبت صحيفة "الجمهوريّة": لو لم يكن انجاز تفكيك الشبكات الاسرائيلية كبيراً الى درجة تهديد الأمن الوطني، لأمكن القول ان كشف ملابسات الجرائم المتتالية التي أودت بحياة 12 مواطناً بطريقة إجرامية مرعبة يوازي لا بل يفوق الانجاز الأول، نظراً لخطورة الجرائم المرتكبة، وتحوّلها الى مسلسل مخيف بدأ في نيسان الماضي بمقتل المواطنة ملكة توفيق، وانتهى بمقتل العريف في الجيش اللبناني زياد ديب، ولم يكن ليتوقف لولا الجهد الاستثنائي الذي بذلته قيادة وضباط وعناصر قوى الأمن الداخلي، الذي أدّى الى اعتقال القتلة.
ميشال وجورج تناليان المعروفان بـ جورج وميشال ابي حنا، صاحبا سوابق، خرجا من سجن رومية منذ فترة بعدما أمضيا عقوبة السجن بجرم السرقة، ولما عادا الى الحرية، أطلقا العنان لعمليات القتل المنظم في منطقة المتن، على طريقة "أضرب واهرب"، حيث كانا يصعدان مع سائقي التاكسي، وينفذ أحدهما عملية القتل باطلاق الرصاص على الرأس ومن الخلف، ثم يعمدان الى سرقة المال والهاتف الخليوي ويحرقان سيارات المجنى عليهم، او يتركانها اذا تعذّر الحرق.
بدأ الأخوان بعملياتهما الاجرامية بقتل المواطنة ملكة توفيق (السبعينية)، وأدى هذا القتل الى إمساك الخيط الأول، إذ أفادت عائلة ملكة انها كانت تعرف اشخاصاً من آل تناليان المعروفين بعائلة ابي حنا، وتوقفت التحقيقات ليعود هذا الخيط ويستعمل منذ أيام، لتأكيد ما تركه جورج وميشال من ثغرات أدت الى كشفهما.
في شهر آب المنصرم، وبعدما تكررت الجرائم بالاسلوب نفسه، تأكدت قوى الأمن الداخلي وتحديداً فرع المعلومات، بأن من يرتكب هذه الجرائم مجموعة واحدة، فأعطى اللواء ريفي توجيهاته للعقيد وسام الحسن بإنشاء غرفة طوارئ أمنية لكشف هذه الجرائم، وعلى الرغم من تأكد الحسن من ان التقارير المرفقة بكل جريمة تدل على ان ما يحصل أصبح يهدد الأمن الاجتماعي، فإنه حرص على العمل مع ضباط الفرع بصمت حتى لا يُصاب الرأي العام بالذعر، نتيجة الخطر المتنقل جراء تصاعد عمليات القتل. لكن العمل الحثيث بدأ بوتيرة متسارعة، وقد يفاجئ الرأي العام، اذا ما عرف بأن 130 عنصراً وضابطاً قد جُنّدوا لكشف الجناة، وهم من القوة الضاربة وفرع الرصد والتعقب وضباط التحقيق والفرع الفني، وهذه الماكينة الأمنية، هي التي عملت سابقاً على كشف شبكات التجسس.
قبل أسبوعين، كان هؤلاء العناصر قد توزعوا على ثماني سيارات تاكسي، ويتبع كل سيارة سيارة اخرى على متنها عناصر أمنية للحماية، وهم باللباس المدني، ولما نفّذ ميشال وجورج آخر جريمة لهما بقتل العريف زياد ديب، وصلت إحدى سيارات التاكسي الأمنية، وكان الضحية لا يزال يلفظ أنفاسه الأخيرة.
كان جورج وميشال قد نفّذا عملية قتل لم تكتمل، حيث صعدا مع سائق تاكسي من آل عاصي، وحاولا قتله في خراج دلبتا، فقاومهما، وضرب أحدهما على وجهه، فسالت منه الدماء داخل السيارة، فكان خيط الـDNA أول الغيث، ونجا الرجل بعد أن أصاباه بطلق ناري أحدث ثغرة في أحد فكيه الى الفك الآخر، وكانت غلطتهما الاولى انهما لم يحرقا السيارة، وان دماءهما بقيت شاهداً عليهما.
الغلطة الثانية التي لم يتحسّبا لها،كانت اجهزة الخليوي، حيث انهما سلّما أحد اشقائهما جهازاً سرقاه من أحد الضحايا، فذهب يعرضه للبيع، وسمح لمن يريد شراءه ان يجرّبه، فأدخل "السيم كارد" في الجهاز، ولم يشتره، وفور دخول "البرنامج" في الجهاز، كان فرع المعلومات يصل الى هذا المواطن ويحقق معه، ويعرف هوية من اراد بيعه الجهاز، فإذا به يستدل على عائلة تناليان، وهي العائلة نفسها التي أفادت عائلة المغدورة ملكة انها كانت على علاقة بها.
صباح أمس، وعند الثالثة فجراً، كان فرع المعلومات يتحضّر لاقتحام منزل الجناة في الدورة، والوضع كان على الشكل الآتي:
– مراقبة عن بعد للمنزل، وتأكد من وجود الجميع فيه بعد خروج أحدهم لفترة قصيرة، عاد بعدها الى المنزل.
– قادة الوحدات يتابعون على الأرض وفي المقر.
– العقيد الحسن في مكتبه.
– اللواء ريفي يُشرف على سير العملية.
– المشهد يوحي كأن فرع المعلومات ينفّذ عملية من أخطر وأكثر العمليات حساسية.
بعد الاعتقال، بدأ التحقيق فوراً، واعتراف ميشال وجورج بتنفيذ عدد من الجرائم، وفحوصات الـDNA تشير الى تطابق فئة دم أحدهما مع الذي تم فحصه في سيارة الضحية عاصي، والتحقيقات تشير حتى الآن الى عدم علاقة الأخوة الثلاثة لميشال وجورج، وهم عزيز، موسى، وموريس بالجرائم.
في الثامنة صباحاً، ذهب الحسن الى النوم، تاركاً الجناة قيد التحقيق. أما ضباط وعناصر فرع المعلومات الذين زارهم وزير الداخلية مهنّئاً، فهم أضافوا انجازاً جديداً الى سجل هذا الفرع، انجاز لن يكون منصفاً عبر معاقبته بالتوعد الدائم بالاقتصاص منه، تارة عبر السعي لتفكيكه، وطوراً عبر تأخّر ترقية رئيسه، وانصاف ضباطه وعناصره.