#dfp #adsense

سياسة توريط لبنان… إلى متى؟

حجم الخط

كتب شارل جبور: إن تصويت لبنان ضد قرارات الجامعة العربية أعاد تظهير المعضلة الرئيسة التي يعاني منها هذا البلد منذ عقود، ألا وهي وضعه في موقع رأس الحربة خدمة لسياسات دمشق وطهران وأهدافهما، ومن دون الأخذ في الاعتبار حساسية تركيبته الداخلية وتوازناتها الدقيقة والانقسام العمودي الذي يحتم بالحد الأدنى تحييده عن صراعات المحاور باعتماده سياسة النأي تجنبا لتداعيات أي موقف يفوق قدرة لبنان على تحمل أكلافه، علما أن سياسة "النأي" تصح في كل ما يتصل بالأمور السياسية لا القيمية، إذ يستحيل، أو يفترض كذلك، الوقوف على مسافة واحد من الحق والباطل.

فالسياسة الدولية الجديدة، وبفعل ثورة الاتصالات وحساسية الرأي العام حيال أي انتهاك لحرية الانسان وكرامته، باتت تضع نصب أعينها مواجهة كل نظام يعمل على ضرب الحريات وقتل الأبرياء من أجل استمراره في السلطة، وبالتالي تغلبت لدى هذه الدول المفاهيم القيمية على المسائل المصلحية، إذ لم يعد بإمكانها تغطية هذه الممارسات أو غض النظر عنها، إنما تحولت إلى أولوية في سياساتها الخارجية.

ومن هذا المنطلق، إن تبديد الرئيس السوري لكل الفرص التي أعطيت له، أدى بهذه الدول إلى اتخاذ قرارها النهائي بإسقاطه ليس لرغبة غربية، إنما استجابة لدعوات سورية شعبية، وبالتالي بعد أن سحب المجتمع الدولي شرعيته عن الأسد بدأت تتطور الأمور وصولا إلى سحب الجامعة العربية الشرعية العربية عنه ودخوله، بعد قرارات الجامعة التاريخية، في الفصل الأخير من حياته السياسية.

فقرارات الجامعة فاقت التوقعات وفتحت الباب أمام تصاعد آليات الضغوط الدولية والعربية، خصوصا لجهة انتقالها إلى الخطوات العملية على الطريقة الليبية بإقامة منطقة عازلة انطلاقا من الأراضي التركية، حيث بدأ البحث جديا في مدى عمق هذه المنطقة وتفويض تركيا توفير الحماية العسكرية لها بنتظار تبلور قرار دولي جديد تتولى بعده قوات الناتو هذه المهمة.

ولعل أهمية الموقف العربي تكمن في أنه أطلق العد العكسي لنهاية حكم الأسد، إذ أن المسألة لم تعد وقفا على موقف سياسي من هنا أو من هناك، إنما انتقلت إلى خطوات ميدانية ومتسارعة، ولم يعد ينفع معها استحضار التظاهرات المؤيدة للنظام أو الكلام عن زلزلة المنطقة، لأن قرار إسقاط الأسد اتخذ دوليا ومن ثم عربيا، وتحول البحث إلى الآليات العملية.

وفي هذا الوقت بالذات، اتخذت الحكومة الميقاتية، وخلافا لكل ادعاءاتها موقفا معارضا لقرارات الجامعة العربية، هذه القرارات التي جاءت بموافقة ثماني عشرة دولة، ولم تلق معارضة إلا من لبنان واليمن، اضافة طبعا الى سوريا، فيما امتنع العراق عن التصويت.

فهل سياسة "النأي بلبنان" عن الوضع في سوريا التي تباهت الحكومة باعتمادها منذ اندلاع الأزمة السورية تكون باعتماد لبنان خيار الاعتراض بدل الامتناع حيال القرار العربي؟ وهل هذا الموقف يجنب لبنان تداعيات الحوادث السورية أو يورطه نتيجة انحيازه الأعمى في مواجهة لا طائل منها مع الشرعيتين العربية والدولية؟
إن موقف الحكومة الميقاتية غير مبرر لا أخلاقيا ولا قيميا ولا مصلحيا ولا سياسيا.

فعلى المستوى الأخلاقي: من غير المقبول أن يكون لبنان إلى جانب القاتل وضد الضحية، ومع النظام الديكتاتوري وضد الشعب المطالب بالحرية، ومع الشر وضد الخير، ومع الباطل وضد الحق…

وعلى المستوى القيمي: من غير المسموح أن يكون أول بلد ديمقراطي في هذا الشرق في موقع الداعم والمساند لأسوأ ديكتاتورية عرفتها البشرية، كما أن لبنان الذي كان أحد أبرز المساهمين في وضع الشرعة العالمية لحقوق الانسان، من غير المقبول أن يتحول إلى أحد المساهمين في ضرب الحريات وحقوق الانسان والانقلاب على دوره التاريخي وعلة وجوده.

وعلى المستوى المصلحي: هل أخذت الحكومة في الاعتبار مصالح اللبنانيين المنتشرين على امتداد الدول الخليجية ويضخون مليارات الدولارات على الوطن الأم؟ وهل أخذت في الاعتبار مصلحة لبنان عبر وضعه في مواجهة الشرعيتين العربية والدولية؟ وهل يحتمل هذا البلد أي عقوبات اقتصادية في اللحظة التي حذر ويحذر فيها المجتمع الدولي لبنان من أي ارتباط بالأزمة السورية أو أن تشكل سياسته ومصارفه ملاذا لتهريب الأموال السورية والالتفاف على العقوبات الأوروبية؟

وعلى المستوى السياسي: هل مسموح إعادة لبنان إلى ما قبل انتفاضة الاستقلال، إلى زمن الوصاية وإبقاء هذا البلد ورقة وساحة مستباحة لمصالح دمشق وأهدافها؟ لقد عانى لبنان الأمرين من السياسة السورية التي أوصلت لبنان إلى الحرب الأهلية وجمدت حياته السياسية من خلال وصايتها على قراراته الوطنية، وبالتالي من غير المسموح العودة إلى هذا الزمن الأسود في لحظة تحرر الشعوب العربية، ولا سيما الشعب السوري الذي سيفك، بإسقاط نظام البعث، أسره وأسر الشعب اللبناني.

إن سياسة توريط لبنان تنتمي إلى زمن انتهى، إلى زمن ما قبل الربيع العربي، ولن تنفع محاولات محور الشر إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في أي عاصمة من عواصم العالم العربي، ومن هنا، يفترض في بيروت إعادة الأولوية إلى مسألة إسقاط الحكومة الميقاتية، لأن استمرارها يشكل خطرا على لبنان ومستقبل شعبه ومحورية دوره.

المصدر:
المركز اللبناني للمعلومات - LIC- لبنان – دائرة التحليل السياسي

خبر عاجل