يمكنُ القول إنّ لبنان اجتاز على مدى السنوات الماضية ثلاث مراحل على وجه الإجمال.
ففي رحاب ثورة الأرز في 14 آذار 2005 سقطت الوصاية السوريّة على البلد بالانسحاب السوريّ من لبنان، وقامت سلطةٌ سياسيّة تنفيذيّة وتشريعيّة تمثّل إلى حدّ كبير التوازن الاستقلاليّ السياديّ الديموقراطيّ.
أمّا بين 2006 ومطلع 2011، فقد شهد لبنان صراعاً محتدماً بين قوى الاستقلال والديموقراطيّة والطائف الهادفة إلى بناء الدولة وتحصين سيادتها من جهة، وقوى المحور السوريّ – الإيرانيّ الهادفة لاستتباع لبنان إلى هذا المحور، وإلى استعادة الوصاية عليه بالنتيجة، مستخدمةً لذلك التعطيلَ والقوّة المسلّحة والحرب مع إسرائيل لتحقيق انتصارات وهميّة من جهة أخرى.
بينَ مطلع 2011 واليوم، تمكّنت "قوى المحور" بالانقلاب على الديموقراطيّة وبواسطة القوّة المسلّحة، من أن تعيدَ لبنان إلى دائرة وصاية النظام السوريّ، ومن أن تقيم سلطة سياسيّة تابعة.
إلّا أنّ "الحظّ اللاهي" لم يكن بجانب هذه القوى، إذ سرعانَ ما "اندلع" الربيع العربيّ الذي حطّ رحاله في سوريا.
هنا، كانَ الجديدُ النوعيّ – أو الاستراتيجيّ – في لبنان. وصايةٌ تابعة في البلد بينما يسقط نظام الوصاية نفسه في "بلد المنشأ"!
ومع ذلك، وتحت تأثير تكوينها الأصليّ – أي تشكّلها الأصليّ – أمعنت السلطة في التبعيّة لنظام الأسد خوفاً منه وولاءً له، وفي تجيير كلّ ما في لبنان لمصلحته.
غدا البلد كياناً معلّقاً ودولة منهارة وسلطة ساقطة. وبهذا المعنى فإنّ الموقف الذي عبّر عنه وزير خارجيّة السلطة التابعة، في الاجتماع الأخير لمجلس وزراء الخارجيّة العرب دعماً لنظام الأسد، لم يكن موقفاً مفاجئاً أو مستغرباً، بل أتى امتداداً لسيرة ونهج، وأتى ليعكسَ حقيقة أنّ سلطة تابعة في لبنان لا يمكنها أن تلتزم بـ"مسلّمات كيانيّة"، أي لا يمكنها أن تلتزم بعدم تقسيم الشعب بل وتجاهل أكثريّته، أو أن تلتزم بالحمايات العربيّة والدوليّة للكيان اللبناني ودوره وموقعه ألخ…وثمّة ما يستحقّ تسليط الضوء عليه.
ففي ظلّ مفارقة المشهد اللبناني، بينَ وصاية عليه وسلطة تابعة فيه من ناحية، وبينَ سقوط نظام الوصاية في "بلد المنشأ" واشتداد أزمة حليفه النظام الإيراني من ناحية ثانية، لا يُبدي أيّ من مسؤولي هذه السلطة تعلّقه بـ"البقاء على قيد الحياة السياسيّة" ليعبرَ إلى المرحلة اللبنانيّة – السوريّة – العربيّة الجديدة.
هذه السلطة هي ساقطة الآن سياسيّاً، تماماً كما نظام الأسد ساقط سياسيّاً.. إلى أن يحدث السقوط الفعليّ أي العمليّ وشيكاً. واستعداداً لسقوط نظام الأسد عمليّاً في دمشق، كان يفترض أن يُبقي من يشاء دوراً في مستقبل لبنان نفسَه على قيد الحياة. فعند سقوط ذلك النظام، لن تكون معركةٌ اسمها معركة إسقاط السلطة التابعة التي ستفقد مبرّر وجودها تلقائيّاً، بل ستكون معركةٌ اسمُها إعادة تشكيل السلطة لاستعادة الدولة، وذلك وفقاً لبرنامج ينحصر في الشروط الفعليّة للدولة.
إنّ هؤلاء المسؤولين في السلطة لا يكتفون بالإمعان في التبعيّة لنظام معزول وحسب، بل إنّهم لا يرون أنّ هناك يوماً آخر يلي اليوم الحاليّ.
وواقع الأمر أنّ هؤلاء المسؤولين موجودون في الحكم وفي الحكومة ورئاستها وفي رئاسة السلطة التشريعيّة وفي الأمن… وما يسمّى "الضابطة العدليّة"، ولا يمكن للمرحلة المقبلة الآتية أن تبدأ معهم.
ذلك أنّه، بعدَ المراحل الثلاث المشار إليها آنفاً، ثمّة مرحلة رابعة هي مرحلة التخلّص من الماضي، وبناء الدولة وتطويرها من ضمن المنحى الذي يرسمه اتّفاق الطائف نحو الدولة المدنيّة، وإعادة الاعتبار للديموقراطيّة السياسيّة.
لا يهمّنا.. لا يهمّ اللبنانيّين ما يقولُه بعضُ هؤلاء المسؤولين ضمن الغرف المغلقة. لا يهمّ اللبنانيّين أن يشتكي بعضُ هؤلاء من الظروف و"الجُرصة".
فما يعني اللبنانيّين هو ما يسمعونه من مرافعات بشأن أشنع المواقف للمسؤولين، فكيف إذا كان من بينهم ثمّة من لا يرى في نهاية الحقبة الأسديّة إلّا حرباً أهليّة قادمة على لبنان ويهدّد بها اللبنانيّين؟
لا وفاقَ بين اللبنانيّين بعدَ نهاية الصفحة الحاليّة الأخيرة، إلّا على لبنان مستقلّ سيّد حرّ ديموقراطيّ ذي دولة سيّدة. فهذا هو المستقبل المنتظر!