كتب د. عامر مشموشي في صحيفة "اللواء":
خلافاً للانطباع السائد عند الكثيرين من أن تحالف الثامن من آذار يُمسك بعنق الحكومة، وهو من يقرر بقاءها أو استقالتها ويحدد الموعد الذي يرغب فيه استناداً لمعطيات مصالحه الداخلية والخارجية، يصحّ القول أن مثل هذا القرار يعود بالتساوي إلى النسيج السياسي الذي يؤلف الأكثرية الجديدة، وبالتالي فإن ادّعاء فريق الثامن من آذار بأنه هو الممسك بزمام الحكومة والقادر على فرض قراره الآحادي عليها في إسقاط بند تمويل المحكمة الدولية غير دقيق، ولا يخدم بقاء الحكومة في أي حال من الأحوال، لأنه سيدفع حتماً بقية مكونات هذه الأكثرية، التي أعلنت التزامها بتمويل المحكمة، إلى إعادة حساباتها بشأن الاستمرار في المشاركة، وفي تحمل مسؤولية وزر تداعيات هذا الخطأ الجسيم، بحيث يصبح استمرار الحكومة مكلفاً سياسياً وشعبياً جداً على القوى الوسطية وعلاقتها بالشرعية الدولية التي ربطت منذ تكليف الرئيس ميقاتي تشكيل الحكومة تعاونها معها واستطراداً مع الدولة اللبنانية بمدى احترامها لقرارات الشرعية الدولية والتزامها بما يصدر عنها ولا سيما المحكمة الدولية التي أنشأها مجلس الأمن الدولي بموجب البند السابع، وجاء هذا القرار في وقت كان لبنان يشهد انقساماً حاداً حول المحكمة، كاد أن يصل إلى حد الاقتتال الداخلي، وما أحداث السابع من أيار سوى أحد تداعياته.
ولم يعد سراً أن المسؤولين اللبنانيين وتحديداً رئيسي الجمهورية والحكومة تبلّغا سابقاً كما تبلّغا مؤخراً رداً على ما ردده أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، بإسم الحكومة من رفض قاطع وجازم للتمويل رسائل دبلوماسية بمعاقبة لبنان في حال تمنعت الحكومة عن تسديد موجباتها المالية للمحكمة.
ويُذكر في هذا المجال ما سمعه الرئيس نجيب ميقاتي من رئيس وزراء بريطانيا، خلال زيارته الأخيرة إلى المملكة المتحدة، وما سمعه من رؤساء دول ووزراء خارجية عندما كان في نيويورك مترئساً مجلس الأمن الدولي، وما قاله مؤخراً بوضوح مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان من أن لبنان سيكون في مواجهة المجتمع الدولي، وسيتعرض لعقوبات قاسية في حال تخلّف عن التزامه بتمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بالإضافة إلى إعلانه أن العلاقات الثنائية بين بلاده ولبنان ستتأثر سلباً كما ستنعكس أيضاً على علاقات لبنان مع سائر الدول الغربية التي عبّرت في عدة مناسبات عن مواقف مشابهة للموقف الأميركي.
الوسطيون في الحكومة، من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، والنائب وليد جنبلاط، غير مستعدين للرضوخ إلى تهديدات الأمين العام لحزب الله، لأنهم يعرفون مدى حاجته إلى الحكومة، ومدى حرصه على بقائها إلى أن ينجلي الزلزال الذي يضرب حليفته سوريا والذي دخل في مرحلة جديدة بعد قرار الجامعة العربية بالمواجهة مع النظام السوري ورفع الغطاء العربي عنه، وبالتالي سوف يواجهونه بالتمسك بتمويل المحكمة تحت طائلة التهديد باستقالة الحكومة، وتغيير المعادلة القائمة حالياً على التحالف الذي مكّن قوى الثامن من آذار من أن تُمسك بالقرار.
وقد عبّر الرئيسان سليمان وميقاتي والنائب جنبلاط كل من موقعه عن تمسكهم بتمويل المحكمة، ليس تحت عامل التهديد الخارجي بمعاقبة لبنان، بل نتيجة إقتناعهم بأن لبنان جزء من المجتمع الدولي يلتزم بموجباته تجاهه، فضلاً عن اقتناعهم بما يترتب على عدم التمويل من انعكاسات داخلية، قد تطيح بكل مرتكزات الدولة ورهانها على الاستقرار الأمني في ظل ما يشهده العالم العربي من تطورات متسارعة، وفي مواكبة الزلزال الذي يضرب سوريا.
وهذا التمسك للتحالف الوسطي الثلاثي من شأنه أن يدفع الأمين العام لحزب الله إلى إعادة النظر في الموقف الذي اتخذه من التمويل، ولو ظهر أمام محازبيه ومناصريه بأنه تراجع تحت ضغط التهديدات الخارجية، خصوصاً وأن حليفه النظام السوري لم يعد في الموقع الذي يسمح له بالوقوف إلى جانبه في مواجهة الداخل والخارج وتقديم الدعم على مختلف أشكاله، بل هو في وضع من هو بحاجة إلى أي دعم يأتيه من الخارج بعدما أصبح معزولاً عربياً ودولياً ويواجه في الداخل ثورة شعبية يتعاظم حجمها كل يوم على عكس ما يحاول هو وبعض حلفائه كالنائب ميشال عون تصوير الأمور، وكأن الثورة الشعبية لفظت أنفاسها الأخيرة وأن النظام استرجع مواقعه وسيطرته على الأمور، ويتهيّأ للانتقال إلى مرحلة جديدة، لإثبات قوته على الأرض.
واستناداً إلى هذه المعطيات، يلتقي المراقبون على أن الكلام التحذيري الذي يتردد في الكواليس عن الوضع الدقيق الذي تمر به الحكومة وهي على مسافة لا تزيد عن الشهر عن القرار الحاسم بالنسبة إلى تمويل المحكمة، هو في محله، غير أن الائتلاف الوسطي داخلها ما زال يملك من الأوراق الداخلية والخارجية ما تجعله قادراً على إدارة دفة اللعبة وإنقاذ الحكومة على خلفية رضوخ فريق الثامن من آذار والتسليم بتمويل المحكمة.