كتب ايلي الحاج في "النهار": يتداول سياسيون ومسؤولون في جهة شديدة الاهتمام بمسار المحكمة الخاصة بلبنان تقريراً يتحمّل صفة الخطورة في قراءة سياسية- قانونية للجلسة التي عقدتها المحكمة في 11 تشرين الثاني الجاري.
يوضح التقرير المطعّم بمعلومات من خارج قاعة المحاكمة والمليء باستنتاجات يمكن اعتبارها "موضوعية"، أن الادعاء العام لا يريد البدء بالمحاكمات الغيابية لئلا يضطر الى وضع ما لديه من معلومات بيد فريق الدفاع قبل انتهاء التحقيق الذي يتواصل بوتيرة عادية. ويلاحظ أن ثمة اصراراً على استدعاء المدعي العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا الى المحكمة لاستيضاحه عبارة وردت في كتابه الشهري عن الاجراءات المتخذة لتوقيف المتهمين الأربعة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي ان "لبنان يمر بظروف حساسة وخاصة" تمنعه من توقيف المتهمين. ويضيف أن فريق الادعاء عرض معلومات في الجلسة السرية القصيرة التي تخللت الجلسة العلنية، فحواها أن الأجهزة الأمنية في لبنان على تنوعها لم تقدم معلومات عن المتهمين الأربعة وعناوينهم وتنقلاتهم منذ عام 2005، في حين أن لجنة التحقيق الدولية والمحكمة تمكنا من تحديد كل شيء عن هؤلاء الأربعة بما في ذلك أسماؤهم وعناوينهم وتنقلاتهم حتى عام 2005. كذلك يلاحظ أن فريق الادعاء يعتبر الشرطة القضائية في لبنان الجهاز الأقل قدرة على الاستقصاء والمتابعة في قضية بحجم اغتيال الرئيس الحريري لا بل أنه مجرد جهاز للتبليغ في الجرائم والدعاوى العادية. ويريد فريق الادعاء أن يعرف ماذا فعلت الأجهزة الأمنية الأخرى لتوقيف المتهمين وما هي المعلومات التي جمعتها عنهم، كما يركز على أن قانون العقوبات اللبناني وكذلك قانون أصول المحاكمات اللبناني يتضمنان الكثير من الخطوات التي لم تقم بها السلطات اللبنانية لاستنفاد الجهد من أجل توقيف المتهمين.
ويشير التقرير الى أن عدم تجاوب السلطات اللبنانية مع طلب استدعاء ميرزا وربما غيره من قيادات الأجهزة الأمنية سيقود الى اعتبار لبنان الرسمي "غير متعاون" مع المحكمة وتالياً من"الدول المارقة التي تحمي الارهابيين". أما التجاوب فسيعني انتزاع اقرار بأن "حزب الله" يعرقل توقيف المتهمين، مما يتيح ملاحقة مسؤولين في هرمية هذا الحزب، وربما في هرمية السلطات اللبنانية أيضاً لعدم قيامهم بما يتوجب عليهم.
ويلفت التقرير الى أن الادعاء تحدث تلميحاً خلال الجلسة عن "حزب الله" بسؤاله هل "الظروف الحساسة" التي تحدث عنها ميرزا تتمثل بتهديد احدى المنظمات بقطع اليد التي تمتد الى المتهمين؟ ليسأل التقرير تالياً هل الغاية من هذا المنحى هي الوصول الى توفير معطيات تسمح بمحاكمة الرئيس عن أفعال المرؤوس من خلال الاثبات أن ثمة حماية للمتهمين من رأس التنظيم الأمر الذي يتيح ملاحقته؟
ويشير في السياق الى بند في نظام المحكمة وُضع بعد جلسة عقدت خصيصاً لتبيان الموقف من العلاقة بين الرئيس والمرؤوس، ويقضي هذا البند بملاحقة الرئيس اذا أمر المرؤوس بارتكاب الجريمة، أو اذا علم بها ولم يبلغ السلطات عنها، أو اذا أقدم على حماية المتهمين بارتكابها.
ويرى التقرير أن فريق الادعاء بدا بوضوح خلال الجلسة أقوى بكثير من فريق الدفاع المرتبك والضائع وغير المنسق في عمله، لافتاً الى التناقض بين موقف رئيس مكتب الدفاع فرنسوا رو الذي يرفض التشكيك في شرعية المحكمة ويكتفي بطلب سحب مذكرات التوقيف، وموقف محامي الدفاع الثمانية الذين يرفضون شرعية المحكمة ومشروعية اجراءاتها في آن واحد. ويضيف أن أحد محامي الدفاع أنطوان قرقماز، القريب من الرئيس السابق اميل لحود واللواء جميل السيّد، متخصص في قوانين الضرائب وليس في سيرته ما يتعلق بالقضايا الجنائية، كما أن المحامية الفرنسية من أصل لبناني عليا عون تعمل وفق النظام الفرنكوفوني وهي غير ملمة تماما بالنظام الأنغلوسكسوني الذي تتبعه المحكمة.
ويرجح التقرير اتخاذ المحكمة قراراً بتأجيل المحاكمات الغيابية نزولاً عند طلب المدعي العام دانيال بلمار وفريق الدفاع على السواء كلّ لأسبابه، فبلمار الذي تنتهي ولايته في شباط 2012 يراهن على توقيف متهمين آخرين غير الأربعة المعروفين خلال مهلة ثلاثة أشهر بناء على قرارات اتهامية جديدة يريد اصدارها خلال أسابيع. علماً أن الرجل بحسب التقرير يعاني مرض السكري الذي يؤثر في عمل كليتيه وفي قدرته على المشي بسهولة، وقد اضطر الى التغيب عن مكتبه أسابيع، لكن عمل مكتب الادعاء العام لم يتأثر اطلاقاً في غيابه. والأكيد بحسب التقرير أن احتمال تعيين خلف لبلمار قائم وجدّي علماً أنه عَيّن من اليوم الأول لتوليه هذه المهمة "مدعياً عاماً ظلاً" له تحسباً لاحتمال اغتياله. ثم إن المحكمة تحولت مؤسسة تعمل بانتظام في معزل عن الأشخاص. وأكبر دليل هو السهولة واليسر في خلافة رئيسها السابق أنطونيو كاسيزي فور استقالته.
وينهي التقرير بالتأكيد، نقلاً عن مسؤولين في المحكمة، أن مهلة سداد لبنان حصته من تمويلها انتهت في أول تشرين الثاني الجاري، وإذا كان بعضهم في لبنان يعتقد أنها ستتوقف نتيجة عجز في موازنتها فهو مخطئ. "الأمم المتحدة تعاني عجزاً بمليارات الدولارات وتكمل ونحن جزء من الأمم المتحدة ونكمل".