#adsense

حتى حدود الغرق!

حجم الخط

منذ اندلاع الثورة الشعبية في سوريا في منتصف آذار الماضي حتى الاجتماع الوزاري العربي في القاهرة الاسبوع الماضي، أفادت الحكومة اللبنانية من عامل اساسي اتاح لها تدعيم ركائز التعامل الدولي معها، على الاقل كأمر واقع، وهو تراجع لبنان في اولويات الرصد الدولي واهتماماته الى مرتبة خلفية. وبدت المرونة الدولية شديدة الوضوح في طول الأناة المستمرة حتى الآن حيال مسألة تمويل المحكمة الدولية التي على رغم نفاد مهلتها في نهاية تشرين الاول الماضي لا يزال المجتمع الدولي يلتزم انتظار القرار الحكومي في شأنها مستندا الى كمٍّ متراكم من التعهدات التي قطعها رئيسا الجمهورية والحكومة مفسحا لهما مزيدا من "الصبر".

دلل هذا "التسامح" الذي يجري التمديد له بفعل عوامل مختلفة، على ان اتّباع الحكومة سياسات مزدوجة لم يكن ضربا خاسرا، بل ان الازدواجية ليست في السياسة المحلية كما الدولية سوى احدى الركائز الواقعية التي غالبا ما تأتلف مع تحكيم المصالح وتقاطعها، وهو امر يتعين الاعتراف به والتعامل معه بغير سذاجة اولئك الذين ادمنوا احراق مصالحهم وحقوقهم تحت وطاة الشعارات الوجدانية وحدها. كان يمكن الحكومة اللبنانية المضي بعيدا في الافادة من لحظة التراخي او التجاهل الدولي حتى مع التطورات المتسارعة على صعيد الازمة السورية المفتوحة على شتى الاحتمالات المتطايرة، لولا تلك السقطة الفعلية في الوقوف بمواجهة اول قرار "تاريخي"من نوعه للجامعة العربية بتعليق عضوية دولة عضو فيها.

واقع الحال ان المجتمع الدولي كان معنيا بالدرجة الاولى بالتزام لبنان منع تحويل قطاعه المصرفي الى رئة يتنفس عبرها النظام السوري. ونجت الحكومة ومعها القطاع حتى الان من هذا الفخ القاتل. وبمعزل عن ملابسات قرار التصويت اللبناني ضد قرار الجامعة العربية، ومن اتخذه فعلاً، ومن غطاه بمفعول رجعي، وبأي حسابات ومنزلقات اتُّخذ، شكًّل هذا القرار خطأ استراتيجيا موصوفا حتى ضمن المعايير الواقعية الصرفة التي تبرر لهذه الحكومة تحديدا استحالة فك ارتباطها بالنظام السوري. ذلك ان الحكومة تطوعت للتقدم الى المتراس الامامي في مواجهة هذا التحول العربي المباغت على نحو معاكس تماما لخطوة استراتيجية اتخذها الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد نفسه في بداية التسعينات حين انضم الى التحالف الدولي العربي ضد غزو العراق للكويت. ووضعت الحكومة نفسها تاليا في عراء كامل من جهة، ورتبت على النظام السوري نفسه تبعة اضافية، اذ استثارت مزيدا من الضغط العربي والدولي عليه بحجة استتباعه قسرا للحكومة اللبنانية كورقة مواجهة.

ولعل الواقع الطارئ الذي بات على الحكم والحكومة ان يواجهانه من دون مكابرة واوهام هو ان حدود ربط لبنان بمصير النظام السوري بلغت الخط الاحمر وتنذر بتجاوزه، وهي حدود يستحيل معها بطبيعة الحال ان يكون لبنان جزءا من المواجهة مع النظام السوري ولكن يستحيل عليه ايضا ان يربط نفسه بمركب يمعن في الغرق.

المصدر:
النهار

خبر عاجل