#adsense

“فقدان الصدقية”؟

حجم الخط

لا علاقة للمزايا الشخصية بمصالح الدول، والحكم عليها يا اخوان.
ولا تتأثر العلاقات السياسية الدولية الحديثة بالعواطف إنما بنبض الأسواق ودبيب الجيوش. كما لا تتحرك تبعاً لفيضان المشاعر وانهمار الدموع، إنما تبعاً لفيضان حسابات الربح والخسارة وانهمار متطلبات الشأن الوطني العام.
وعلى عكس ما كانت عليه أحوال وأهوال وأسباب حروب القرون الماضية، فإن الصفات الشخصية الخاصة بصاحب المسؤولية العامة لم يعد يُعتّد بها كثيراً في عالم اليوم، ولم تعد واحدة من "الأسباب" المؤثرة في صناعة قرار مركزي يتصل بالكيانات الحديثة وأدوارها ومصائرها وحروبها.

..الصفات الشخصية لمتنكب أدوار المسؤوليات العامة تساعد سلباً أو ايجاباً في بلورة السياسة العامة للدولة لكن لا تضعها. وتساعد في بلورة تقدير أو تبخيس مصداقية تلك الدولة في تعاملها مع الداخل والخارج لكنها لا تقررها حُكماً. وفي ذلك فصل منطقي وعادل بين الصفات الشخصية للمسؤول الحاكم وبين المصالح العامة لدولته. هو زائل وتلك باقية. وهو مرحلي وهي مستمرة. هو شخص وهي تلخيص ممثّل لملايين الأشخاص.
غير ان المصيبة تقع عندما يتماهى الشخصي بالعام. وعندما تصبح حال الدول وعلاقاتها الخارجية خاضعة لمزاج أحادي مقتدر.

..وذاك يا اخوان هو اللبّ الأول. العميق والغائر في عمقه، لمعنى ثورات أهل الربيع العربي على أنظمة يختصرها حكامها، ويغلّفون ذلك الاختصار بتزويقات محتقِرة للعقل، مثل الكيانات الحزبية أو القيادات القطرية والقومية أو مجالس الشعب والهيئات النقابية والمنظمات الشبابية والحكومات والهيئات القيادية في الأمن والاقتصاد والقضاء والجيوش والديبلوماسية وكل ما له علاقة بالدولة ومؤسساتها.

..وتكون المصيبة مضاعفة عندما يكون ذلك التماهي بين الشخصي والعام مبنياً على خصال شخصية معيبة وغير حميدة (ضرّة خبيثة) وفي مقدمها التوصيف الملطّف لمذمّة الكذب، أي فقدان الصدقية.
سبق لحالات كثيرة أن دمّرت دولاً، وخرّبت علاقات عابرة للحدود، وتركت آثاراً بالغة السلبية على العموم والكيانات لأن أحد أطراف العلاقة كانت شيمته الكذب. وكانت صدقيته تساوي الصفر المكعّب والمدوّر والمستطيل والمربع! وهذه المذمّة عندما تحضر تغيب مقوّمات الثقة. وغياب الثقة في العلاقات السياسية الدولية (كما الخاصة والشخصية) يولّد كوارث متناسلة لا أكثر ولا أقل.

هناك قادة دول، ورؤساء حكومات لا يزالون الى اليوم غير قادرين على الفصل بين ملكة الذكاء ونقيصة التذاكي. ويعتقدون تبعاً لذلك، ان الكذب فرع من تعبيرات الذكاء (طالما فيه شيء من الإبداع السلبي) فيما هو تتويج صاخب للغباء وقصر النظر والبصر والبصيرة.

أحدهم في جوارنا يحصد مرارة زرعه، ويعدّ أيام وساعات سلطته الباقيات نتيجة انعدام صدقيته وبصيرته، فيما احدهم عندنا يصحّ فيه قول القائل انه "شرشح الكذب"! ويكاد ان يشرشح ما تبقى من مقوّمات صدقية الدولة اللبنانية وتراثها السياسي والديبلوماسي!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل