كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار": رغم الغاء وزير الخارجية السوري وليد المعلم زيارته للرباط للمشاركة في اجتماع وزراء الخارجية العرب على هامش المنتدى التركي – العربي امس، ومع اعلان دفعة جديدة من العقوبات الاوروبية على دمشق اضيفت اليها عقوبات نفطية تركية، تبقي مصادر ديبلوماسية متابعة للاتصالات الجارية الباب مفتوحا امام امكان ان تؤدي الجهود العربية الى تسوية ما، تتفادى اللجوء الى خيارات او طروحات اخرى.
واذا كان قرار الجامعة العربية حيال عضوية سوريا في الجامعة العربية اشر الى خطوة بدت اشبه بالتاريخية، مقارنة بالتعامل العربي مع الازمات السابقة وبالتزامن مع المواقف التركية العالية السقف وآخرها كلام رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان، فان ثمة "نافذة فرص" تعول عليها المصادر المعنية، وتدلل عليها سلسلة معطيات.
اولها، ان التحرك العربي يأتي على "انقاض" تحركات دولية واقليمية سعت الى اقناع دمشق بسلة اصلاحات من شأنها تسهيل عملية التحول الديموقراطي في البلاد، وهو يأخذ او يكاد، بأغلبية البنود المطروحة في الحوارات او محاولات الحوار السابقة ولا سيما بالنسبة الى مساعي وقف اعمال العنف والشروع في حوار مع المعارضة، مع السماح للشعب السوري بالتعبير عن تطلعاته بطريقة ديموقراطية.
ثاني هذه المعطيات ينطلق من سقف المواقف المرتفع الذي حفلت به الساعات الماضية في اكثر من عاصمة، والذي لم تواكبه خطوات على الارض بعد، توحي ان هذه المواقف لاقت حتى الآن ترجمة عملية مباشرة، لعلّ في مقدمها قضية سحب السفراء العرب من العاصمة السورية، والتي يبدو عبرها ان باب الخيارات بقي مفتوحا امام كل دولة لتتخذ الاجراء العملي المناسب في هذا الشأن، في ظل التباينات على هذا المستوى، فضلا عن الكلام على عودة السفير الاميركي روبرت فورد المرتقبة في الايام المقبلة. ورغم الهجوم على البعثات الديبلوماسية والقنصلية بالتزامن مع حديث عن خفض عديد الطواقم فيها، فان المعلومات الواردة الى اكثر من مصدر تفيد أن الخفض اقتصر على العائلات من دون ان يشمل البعثات بذاتها حتى الآن.
والامر عينه ينطبق على العقوبات التركية التي تبقى "غامضة" الى حد ما من وجهة نظر البعض وخصوصا بالنسبة الى تدابير وقف مد سوريا بالكهرباء، ولا سيما في ظل تمسك عربي ودولي بالمبدأ القائل بضرورة تحييد الشعب عن هكذا تدابير والسعي الى حصر تداعياتها بالنظام واعوانه.
ثالثا، ومع ان البعض قرأ في عدم حضور وزير الخارجية السوري وليد المعلم الى المغرب رسالة تشدد الى من يعنيه الامر، فان بعض الاوساط لا تستثني امكان ان ينجم عن هذه الخطوة محاولات تسعى الى تعزيز مناخ الحوار، عبر مساع هدفت الى تفادي المواجهات المباشرة بالتزامن مع تفعيل قنوات التواصل مباشرة وغير مباشرة، ولاسيما مع المعارضة والتي عبرت عنها اللقاءات الاخيرة مع اطرافها في اكثر من دولة.
ورغم ما تقدم، ثمة اقتناع واضح لدى بعض الاطراف بأن المسببات المذكورة لا تعني أن حبل التفاوض ما زال على غاربه بالنسبة الى النظام السوري. بل ان هناك شبه اجماع لدى عواصم القرار، الغربية منها والعربية – ويندرج ضمنها حديث الملك الاردني عبدالله الثاني عن تنحي الاسد – اساسه أن هامش المناورة ضاق امام الرئيس السوري في ظل معطيات متزايدة تشير الى فعل العقوبات الغربية فعلها، وازدياد العزلة السورية. واذا كان ثمة من يرى في استمرار الواقع على حاله، ارتدادات ذات "مفعول رجعي"، تتضمن في ما تتضمنه تحولا مرتقبا في الموقفين الروسي والصيني من الازمة السورية في حال اثبت الخيار العربي عدم جدواه، وهو ما من شأنه ان يفتح الباب امام سيناريوات اخرى، فان هذه الاحتمالات تتزامن مع طروحات موازية تأخذ في الاعتبار تداعيات هذه الخيارات على المنطقة واستقرارها، ولا سيما في حال حصول تحوّل جذري في سوريا.
وفيما يدرج اطراف اتصال رئيس مجلس النواب نبيه بري بالعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز في هذا الاتجاه، فان التعويل على "مخرج مشرف" للنظام يستلزم من وجهة نظر متابعين معطيين أساسيين: الاول يقضي بموافقة النظام السوري على المبادرة العربية كاملة والشروع في تنفيذ عملي لبنودها وفي مقدمها اجراء الانتخابات، فيما يتناول الثاني اداء المعارضة السورية بشقيها، الداخلي والخارجي، والتي تبدو مطالبة اكثر من اي وقت بوضع "خريطة طريق" واضحة تحدد تطلعات دقيقة لدولة ديموقراطية وتعددية.