
أكّد البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي أن "مسيحيي الشرق يشكلون جزءاً لا يتجزأ من هوية المسلمين الثقافية"، مشيراً إلى أنه "على حدٍّ سواء، يشكل المسلمون في الشرق جزءاً لا يتجزأ من هوية المسيحيين الثقافية". وأضاف: "من هذا المنطلق، نحن مسؤولون عن بعضنا البعض أمام الله وأمام التاريخ".
الراعي، وفي كلمة ألقاها في حفل افتتاح مؤتمر بعنوان "مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط نحو الحرية الدينية" بدعوة من أعضاء البرلمان الأوروبي وبالتعاون مع أعضاء في البرلمان اللبناني والشرق الأوسط وبدعم من لجنة المؤتمرات الأسقفية في الإتحاد الأوروبي في قاعة يوحنا بولس الثاني في جامعة الروح القدس – الكسليك، شكر منظمي الندوة وجامعة الروح القدس – الكسليك التي استضافت المؤتمر. وقال: "نود في سياق هذا المؤتمر التطرق إلى التحديات التي نواجهها من خلال مفهومين رئيسيين هما الشركة والشهادة"، مشيراً إلى أن "الشركة هي مفهوم لاهوتي يعني الوحدة في التعددية. وأضاف: "مفهوم العيش المشترك لدينا لا يعني وجود موازٍ لغيره أو مجرد تعاون بين مختلف الفرقاء في المجتمع ذاته، بل إدراك لحياةٍ مشتركة والإعتماد المتبادل الذي يشمل هوية الآخر الثقافية والروحية".
وتابع الراعي: "أما في الحقل السياسي، ينعكس مفهوم الشركة من خلال الهوية الوطنية المشتركة والمواطنية. نحن في مواجهة التحدي المتمثل في التغيرات الجارية في بعض البلدان العربية. وبينما تشكِّل هذه التغيرات تعبيراً عن نوع من التيقظ وعن التزام بالهوية الوطنية المشتركة، فنحن نخشى أن تؤدي إلى نزاعات طائفية وأنظمة أكثر قساوة وتقسيم المنطقة على أساس طائفي. ينبغي أن يكون هناك هوية وطنية مشتركة، شاملة لجميع الإسهامات الثقافية، والتي تؤمن أساس عيش مشترك هادئ ومثمر. على المسيحيين، وكل أصدقائهم من هنا وهناك، مواجهة جميع المحاولات التي تسعى إلى تعريف مجتمعاتنا أو بلداننا على أساس الهوية الدينية".
وأشار الراعي إلى أن "الوجود المسيحي في الشرق الأوسط يحتاج إلى إطار سياسي سليم ومحايد لكي يتمكن من تأدية دوره المناسب والمساهمة في تنمية مجتمعاتنا بصورةٍ عادلة"، لافتاً إلى أن "الدولة المدنية، التي تفصل بين الدين والمؤسسات السياسية، من دون زحزحة الدين على هامش الشؤون العامة، تبدو الإطار الذي يتناسب مع الظروف الراهنة في بلداننا". وأضاف: "غير أنها بحاجةٍ إلى الدرس بهدف التوصل إلى توافق لا يشوبه أي غموض. وقد تكون هذه الدولة نموذجاً لدمج الطوائف الإسلامية في المجال السياسي الأوروبي".
وتابع: "كما تأتي الشهادة من بعد الشركة، يأتي الإلتزام من بعد المواطنية. غير أنه يوجد ثلاثة تحديات تقف في وجه الشهادة والتزام المسيحيين في الشرق: الأمن والحريات الأساس والإعتراف بالتعددية".
وأكّد الراعي "أن الأمن هو حق لكل مواطن يجب على الدولة تأمينه. لذلك فالأمر لا يعني مطلقاً أن تقوم الأكثرية بحماية الأقلية، بل هذا حق أساس مشترك للجميع، من دون أي نوع من التمييز أو التعصب"، مكرِّراً الدعوة "أمام مشاهد التعصب الديني التي أدت إلى حوادث دامية ومؤلمة، إلى جميع السلطات العليا المسلمة والمسيحية في الشرق الأوسط، وكما سبق أن تم التعبير عن ذلك خلال القمة الإسلامية – المسيحية التي انعقدت في البطريركية المارونية في 12 أيار الفائت، من أجل إعلان وثيقة تاريخية ترفض جميع أشكال الحروب الدينية وتعزز العيش المشترك على أساس المواطنية وحقوق الإنسان الأساس".
أما بالنسبة لتحدي الحريات الأساسية، قال الراعي: "لا شك أن الحرية هي الهواء الذي يتنفسه كل مواطن وكل مؤمن. وهذا المفهوم بمنتهى الأهمية بالنسبة للمسيحيين إذ أن تاريخ الكنيسة المارونية يتميز بمسيرة طويلة للدفاع عن الحرية على حساب تضحيات هائلة. كما أكد البطريرك مار نصرالله بطرس صفير وبكل وضوح:" إذا خُيِّر اللبنانييون بين العيش المشترك والحرية، فإن التاريخ يُظهر أنهم لم يترددوا أبدا – وخصوصا المسيحيين من بينهم – في اختيار الحرية التي تشكِّل بالنسبة لهم مبدأ لا يتزحزح".
وفيما يتعلق بتحدي الإعتراف بالتعددية قال الراعي: "الحرية تمهد الطريق نحو قيمة أساسية أخرى وهي قبول التعددية بشكل إيجابي والإعتراف بحق الآخر في الإختلاف. ولنقر أنه ليس بالأمر السهل على المؤمن قبول الآخر باختلافه الديني كعامل إيجابي في محيطه الإجتماعي والثقافي، وكذلك في محيطه الحميم. غير أن تاريخ أكثر من ألف سنة من العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين في المنطقة يبرهن لنا أنه من خلال الحوار يمكن تجاوز هذه الإختلافات ويمكن حتى تحويلها إلى مصدر إغناء متبادل".