#adsense

هل يصل تسونامي “الربيع العربي” إلى لبنان؟

حجم الخط

مع ازدياد حدة الاضطرابات في سوريا، تزداد في لبنان حدة الاسئلة المتعلقة بوحدة المصير، وما اذا كانت تداعيات الاحداث في الدولة الشقيقة ستنعكس بشكل سلبي على الوضع الداخلي المشرذم.

كما رفض الرئيس بشار الاسد مبدأ المقارنة بين ما جرى في تونس ومصر وليبيا وما يجري على ارض بلاده، هكذا يستبعد فريق من اللبنانيين وصول "الربيع العربي" الى تخوم الوطن الصغير.
وحجة هذا الفريق الواثق من مناعة الوضع اللبناني، ان الظروف التي فجرت عوامل النقمة والعصيان في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، لا تحاكي واقع الاحداث اللبنانية.

هذا، اذا سلمنا جدلا بأن الأسباب الموضوعية التي اطلقت انتفاضات الشعوب العربية هي في حقيقة الأمر، نتاج إحتقان مزمن وسخط عارم ضد الأنظمة المترهلة الآسنة. أي الأنظمة التي تسلطت على الحكم مدة تزيد على الثلاثين سنة او الأربعين، مستخدمة ديموقراطية الـ99 في المئة لتبرير استمرارها. لهذا السبب شدد المتظاهرون على المطالبة بالتغيير الجذري على امل إنتاج قادة جدد لعصر جديد ومفاهيم جديدة.

وفي رأي محمد البرادعي، ان التغيير في مصر يجب ان يعبر عن تطلعات الجمهور، تماماً مثلما عبرت انتفاضات التغيير داخل دول المنظومة الاشتراكية، عن نهاية هيمنة موسكو المطلقة طوال سبعين سنة. وتدل التجارب على ان الثورات هي ظواهر معدية كالوباء والموضة، بدليل ان الثورة الاميركية (1776) اصابت بالعدوى الثورة الفرنسية (1789).

واللافت ان هتافات الثوار دائماً تطالب بالديموقراطية. ولكنها في الغالب لا تحصل على أي مقابل لتضحياتها السخية. فمن رحم الثورة الفرنسية ولد الديكتاتور نابليون. ومن رحم الثورتين الروسية والصينية، ولد ستالين وماوتسي تونغ، أفضل نموذجين للارهاب السياسي الذي عرفته البشرية خلال القرن الماضي.

ويعزو المحللون أسباب انهيار التجربة الشيوعية في الصين ودول الكتلة الشرقية سابقاً، الى انعدام الديموقراطية واستبدالها بنظام العدالة الاجتماعية. وثبت بالاختبار ان العدالة الاجتماعية تسكت عن المطالبة بالحرية… ولكن الحرية لا تسكت عن المطالبة بالعدالة الاجتماعية.

في العودة التي التجربة اللبنانية يتبين للمراقبين ان الاحداث المقلقة سنة 1952 وسنة 1958، كانت بمثابة سياقات تصحيحية لمسارات الديموقراطية. كل هذا، لأن اللبنانيين حرصوا على التشبث بنظامهم البرلماني، في وقت كانت البلدان العربية الاخرى تعاني من تسلط الحزب الواحد وديكتاتوريات الانظمة العسكرية.

سنة 1949 جدد مجلس النواب للشيخ بشاره الخوري تقديراً لدوره الوطني في تحقيق الاستقلال. وبعد إنقضاء ثلاث سنوات على ولايته الثانية، راحت المعارضة تطالبه بالاستقالة بسبب إستشراء الفساد الإداري وازدياد تسلط المحاسيب والأقرباء.

وحاول بشارة الخوري تدارك الأزمة بواسطة حكومة جديدة يؤلفها صائب سلام، تكون بمثابة أداة إمتصاص للأوضاع المضطربة. ورفضت قوى المعارضة تشكيل الحكومة الجديدة، وأصدرت بياناً دعت فيه الشعب الى الاضراب العام يوم 15 أيلول 1952.

بعد مرور يومين على إضراب نفذته كل القطاعات الاقتصادية والشركات والمصارف، شعر بشارة الخوري انه عاجز عن الإستمرار في مهمة الرئاسة. ثم جاءه كتاب صائب سلام كرصاصة الرحمة التي أطلقها رئيس الحكومة المكلف بضرورة التنحي. وقد أنهى سلام كتابه بالعبارة التالية: "إسمحوا لي – وأنا من صميم هذا الشعب ولا إستهدف في عملي سوى مصلحته العليا – ان أصارحكم بأن مصلحة البلد العليا تتطلب تخليكم فوراً عن سدة الرئاسة الأولى وإفساح المجال لنواب الأمة بان ينتخبوا خلفاً لكم ضمن نطاق الدستور الذي أؤتمنتم عليه. بهذا تكونون يا فخامة الرئيس، قد أديتم لبلدكم خدمة جلى تضاف الى الخدمات السابقة التي سجلها لكم تاريخ الجهاد اللبناني في عهده الإستقلالي الحاضر. وعليه أناشد وطنيتكم النزول عند رغبة الشعب الإجتماعية تفادياً للعواقب".
وبعد أيام معدودة إستدعى الرئيس بشارة الخوري، مدير مكتبه ناظم عكاري، ونص عليه كتاب إستقالته.

وهكذا إنصاع أبو الإستقلال الرئيس بشارة الخوري، لإرادة الشعب، مبرراً إستجابته بالحرص على ضمان الاستقرار والوفاق الوطني. علماً بأن أنصاره في البرلمان والشارع كانوا يمثلون غالبية قادرة على التصدي للمعارضة. ولكنه آثر التنحي بهدف تفادي نزاع أهلي دموي، ربما يقود الى تدخل خارجي، مثلما حدث أثناء معركة التجديد لخلفه كميل شمعون.
آخر ولاية الرئيس كميل شمعون سنة 1958 اندلعت ضده ثورة شعبية بهدف منعه من التجديد، علماً بأنه تحاشى الاعلان عن هذه الرغبة.

وبعد إنزال عسكري لفرقة من الأسطول السادس الاميركي في منطقة الاوزاعي غرب بيروت، توقفت الثورة وإنتخب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، رئيساً بغالبية أصوات النواب. وذكر في حينه أن عملية الانزال في لبنان كانت بمثابة إنذار موجه لقادة الانقلاب الدموي في العراق.

وفي مرحلة لاحقة فاز سليمان فرنجيه برئاسة دورة 1970 بصوت نائب واحد، قبالة منافسه الياس سركيس الذي حصل على اصوات 49 نائباً. ولكنه عاد وحقق حلمه في الرئاسة خلال انتخابات 1976.
خلاصة القول أن لبنان نجح في الحفاظ على نظامه البرلماني طوال 68 سنة، بفضل التعددية والاحتكام الى منطق التعايش خلال الازمات المصيرية. وكان في كل مرة يتعرض لامتحان وجودي كأزمة 1958 وأزمة 1975 – 1989 يبادر الى حلها بالتراضي ولو من طريق توزيع صلاحيات الرئيس الماروني على مدعي الغبن والحرمان.

صحيح ان المتضررين من نظام التناوب الديموقراطي في رأس السلطة قد ابتكروا نظرية الثلث المعطل بهدف تعطيل عمل البرلمان… ولكن الصحيح ايضاً ان كل ثورات "الربيع العربي" ستقلد في النهاية النظام اللبناني. وهذا لا يعني بالطبع، انه نظام مثالي خال من العيوب والشوائب، بقدر ما يعني ان المشرفين على تطبيقه هم الذين عطلوا قوانينه ودمروا ركائزه الحيوية ومؤسساته الرسمية.

يقول السياسيون اللبنانيون ان رئاسة الجمهورية كانت منذ الاستقلال، محطة اجتذاب لاهتمامات اللبنانيين، الوطنية منها والاقليمية. ذلك ان معركة 1943 لم تكن اكثر من عملية فرز واستقطاب بواسطة الكتلة الدستورية والكتلة الوطنية. في حين شهدت معركة رئاسة 1952 نقلة نوعية في التحول الاقتصادي – الاجتماعي قادتها حركة كمال جنبلاط.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر الى النظام اللبناني كواقع فريد في مخالفته لواقع الدول العربية الاخرى التي كثيراً ما كانت تستعير اجواءه الحرة لتمرير سياستها. مثال ذلك ان جمال عبد الناصر وافق على دعم واصدار ست صحف في لبنان كي تتولى نقل وجهة نظر نظامه والايحاء بأن مصادر الاخبار غير مؤممة او مراقبة. ثم قلدته انظمة عربية واقليمية بحيث دخلت ايران الشاه في سوق المنافسة ايضاً.

مع دنو نيران "الربيع العربي" الى الحدود السورية – اللبنانية، يتخوف المواطنون من تعرض نظامهم لأزمات مماثلة كالتي عصفت بتونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. ولكن التحولات الديموقراطية التي يطالب الثوار العرب بضرورة تطبيقها، سبق للبنان ان مارسها في ظل نظامه السياسي. وقد اتقن الاداء عندما كان يمثل نادي المضطهدين لـ18 طائفة. وداخل نظام الحرية كانت تتم عملية الانصهار الوطني قبل ان تتدخل ايران وسوريا لافساد عهدي الياس الهراوي وأميل لحود من طريق التمديد القسري.

يقول عالم الاجتماع الفرنسي ادغار موران، ان الثورات العربية تتسابق على تأسيس انظمة ديموقراطية تعكس شرعية شعوبها لا شرعية حكامها.
وهو يرى ان هذه الثورات لم تختمر بعد، الامر الذي قد يضطرها في مرحلة لاحقة، الى استخدام اقصى درجات العنف من اجل استئصال شأفة الانظمة السابقة وبناء انظمة ديموقراطية جديدة. والمؤسف ان الثورات العربية لا تملك معايير موحدة جامعة تستطيع بواسطتها الغاء الانظمة الديكتاتورية والبوليسية العسكرية والثيوقراطية الدينية. من هنا مصدر التشكيك في الديموقراطية الليبية التي فرضها عنف "الناتو"، تماماً مثلما ولدت الديموقراطية العراقية الفوضوية من التدخل المسلح الاميركي.

في تفسير منطقي لاحداث "الربيع العربي" يقول احد المنظرين، ان هناك عقوداً غير معلنة بين حكام الدول العربية وشعوبها. فالحكام يؤمنون الاستقرار السياسي والامني مقابل تنازل الشعوب عن حرياتها.
وأقصى ما فعلته المعارضة العربية في الساحات العامة، هي انها طالبت حكامها بالغاء العقود السابقة لأن الحرية في نظرها، اسلم من ضمانات الحكام وابقى. وكل ما يشهده العالم العربي حالياً من عنف ودماء يختصر نظرة الحكام الى شعوبها، ويؤكد رفضها مبدأ التغيير لانه يلغي دورها الاستبدادي الطويل.

وفي هذا السياق يمكن القول ان رئيس جمهورية لبنان ميشال سليمان، وحده يعرف انه سيعود الى منزله فور انتهاء مدة حكمه. بعكس الرؤساء العرب الذين عاقبهم الثوار بالنفي او السجن او القبر. صحيح ان جماعة 8 آذار، قد صادرت منه صلاحياته الرسمية وجيّرتها الى ميشال عون، في وقت لم يعد له من دور اكثر من الترويج لمغارة جعيتا… ولكن الصحيح ايضاً ان البقاء في السلطة، ولو من دون صلاحيات، يبقى احدى العجائب السياسية السبع!

المصدر:
النهار

خبر عاجل