#dfp #adsense

من معزوفة “الأقليات” الى زجلية “الحرب الأهلية”!

حجم الخط

في مقالتنا السابقة (السبت الماضي في هذه الزاوية وبعنوان "جامعة الأضاحي العربية")، تناولنا من باب "التوقع" موقف هذه الأخيرة معتبرين أنها ستكون بلا موقف، أو على الأقل ستكرر إعطاء المُهل، كعاداتها، للنظام السوري. حصل عكس ما "انتظرنا": اتخذت الجامعة العربية وبشبه إجماع 18 صوتاً مقابل امتناع واحد (العراق)، ومعارضة اثنين حكومة لبنان ويمن علي صالح، قرارات لم يسبق أن أقدمت على مثيلها: تعليق عضوية سوريا! إلاّ مع ليبيا وقبلها مع مصر… وهكذا بدا أن ما اعتمدنا من مواقف لم يطابق الواقع. ولعلّ هذه من المرات القليلة التي يسرنا أن نخطئ في التوقع، أو في الانتظار. ونظن أن كل ذلك عائد الى تاريخ هذه الجامعة، خصوصاً في لبنان على امتداد حروب القتلة من الطغاة العرب والكيان الصهيوني… وأميركا. المهم أن هذه الجامعة "المستأنثة" قد "استَرْجَلَت" أخيراً، وكأنها توحي بداية مفاجئة. فالنظام السوري بدا أيضاً أنه فوجئ. فقد خاب تعويله مثلاً على الجزائر والسودان (باعتبارهما ربما ممانعتين أو مقاومتين من بعيد البعيد!)، ولم يتبق له سوى حكومة اللاحكومة، حكومة القمصان السود، برئاسة اللارئيس نجيب ميقاتي الذي يلوك الكلام أكثر مما يعبّر عن "مواقف" واضحة.
فعند حزب الله وفاء ما بعده وفاء سوى كتلة وفاء محمد رعد، وعند البلدان الأجنبية والغربية انخراط شبه "أعجوبي" بالقيم الحضارية، والديموقراطية، والإنسانية، والتزام "مفرط" بقرارات المجتمع الدولي سواء ما خص المحكمة الدولية، أو أخيراً موقف حكومة "الوصايتين" (الأخيرة) من مسألة اللاجئين السوريين وموافاة الإجماع العربي في اجتماع وزراء خارجية العرب.

ولا نعرف حتى الآن، ما موقف ميقاتي الرئيس بلا رئاسة، وموقف الرئاسة البلارئيس، من حملة التهويل والترعيب والتهديد بحروب أهلية مدمرة يا لطيف إذا ما أصاب النظام السوري ما أصاب أحبابه حسني مبارك وبن علي والقذافي (وقريباً الصالح اليمني). السؤال: لماذا على اللبنانيين أن يدفعوا دائماً ما ليس عليهم أن يدفعوا من أثمان الصراعات والمصائر الأخرى؟ ولماذا على جماعة 8 آذار بعونها الجنرالي وبحزبها الإلهي أن تصوّب على اللبنانيين بتهديدهم بالحروب والخراب، وكأنهم المسؤولون عما جرى ويجري في سوريا. وهذا قبل كل شيء إلغاء لهذا الشعب العظيم. ونحن لا نفاجأ لا بأصابع حزب الله المشهورة كشموع مطفأة ولا بزلاعيم بعض الإعلاميين المخبرين، عندما يلغون "الشعب السوري" بتحويله الى مجموعات إرهابية. فقد سبق أن ألغوا أكثرية الشعب اللبناني، وحوّلوا أكثريته التمثيلية الى أقلية، أو "أكثرية وهمية". وتماماً كما ألغى حزب الله وربعه جماهير الثورة الخضراء في إيران، والتي اندلعت بعدما زوّرت سلطة خامنئي (دام ظله) إرادة الشعب الإيراني في الانتخابات الرئاسية. ونظن أن "ثقافة" الإلغاء هذه جزء من طريقة تفكير (أو لا تفكير) وطريقة سلوكه، وطريقة إحساس (إحساس؟ أين؟)؛ فكما ألغى القذافي شعبه وحوّله الى جرذان وأوبئة وكلاب ضالّة، وكما اختزل النظام المصري السابق ناسه بعائلته، وكذلك التونسي، فجماعة الوصايتين عندنا محت أكثرية الشعب اللبناني ووصفتها بأبشع النعوت: العمالة لإسرائيل (طلعوا كل عملاء إسرائيل من بيئتهم الحاضنة!)، والخيانة والإجرام. ثم "محت" كل أثر للثورة وللناس في سوريا! "ليس هناك ثورة في سوريا"، أو "ثورة عثمانية"، ولا ندري كيف لهؤلاء الذين ألغوا شعبهم أن يتوسعوا في شطب الشعب السوري، أو الإيراني… هذه المجموعات من المرتزقة لا تتبنى فقط نهج الطغاة، بل هي جزء من هذا الطغيان. ولا تبرر المجازر التي ترتكب في الربيع السوري، بل هي جزء من هذه المجازر. وقد سبق لوليد المعلم أن شطب أوروبا كلها من الخريطة! وعندها على مرتزقة 8 آذار أن يشطبوا أوروبا من الخريطة. وها هو السفير السوري في الجامعة العربية يشطب هذه الأخيرة ويصفها بـ"العبرية"، وها هم "بضاعتهم" الفاسدة في لبنان يشطبون الجامعة: إنها إسرائيلية أميركية…! (وهذا ما حدث في المحكمة الدولية عندما وصفتها إيران والنظام السوري بالإسرائيلية، فكرر حزب الله وكيل الوصايتين ببغائياً هذا الموقف). وهكذا يمكن أن نتذكر "فروض" الترحاب بالطيّب أردوغان وصوره على طريق المطار (لا صورة ترفع هناك إلاّ بإذن من جماهيرية حزب الله العظمى)، والتغزّل به "الطيّب" أهلاً بأردوغان الطيّب، ثم، وعندما تغيّرت مواقف هذا الأخير، تحوّل الطيّب الى "شرير" وعميل للحلف الأطلسي، وأضاء الـ8 آذاريين (لا فُضّت أنوارهم المظلمة) على تاريخ العثمانية، فأفهمونا (الآن وليس الأمس ولا غداً) أن تركيا تريد استرجاع "مجد الإمبراطورية الاستعمارية في عالمنا العربي"… من الطيّب الرائع الحليف الشقيق الى العدو؛ ومن رفع أعلام تركيا في ضواحي جماهيرية حزب الله العظمى، بالإذن من معمر القذافي الأعظم! الى حرقها في ساحات دمشق… ومن دعواته الى المنابر والموائد احتفالاً بـ"الضيف الاستثنائي" الى الهجوم المنظم ضد السفارة التركية. رائع! وأنت عليك أن تصدق جماعة الوصايتين في كلتا الحالين وإلاّ فأنت عميل لإسرائيل، وعدو للمقاومة (أين صارت المقاومة؟ هل صارت بنداً من بنود الجماهيرية الإلهية العظمى؟)، وللممانعة (يا عين!) وأين، ومتى وكيف: عندنا فقط في لبنان ممانعة، وليس في الجولان، ولواء إسكندرون (هذا الجزء السوري الغالي علينا مصانعة!). أما بالنسبة الى قطر، فحدّث يا أخي ولا حرج: نتذكر عندما زار أميرها لبنان، والجنوب، والضاحية، ونتذكر اليافطات الرائعة والصور العملاقة على حدود "الجمهورية" أي على طريق المطار المُصادر بالتنصّت والرقابة والتجسّس على الركّاب (حفظاً لأمن المقاومة: نتذكر أين بدأت عملية اغتيال الشهيد جبران تويني! من هناك…!). وهل ننسى خطب "التكبير" وقصائد المديح بأمير قطر "قَطَر القطرُ" و"أول غيث القطر"، "قطر الخير" و"أمير المقاومة" و"شكراً قطر"!.. كل هذا كحلنا عيوننا به، وشنفنا آذاننا بأنغامه، حتى تغير موقف "قطر القطر"، فانقلبت الصور، وبُدّلت الغزليات والمدائح بالهجائيات، وبـ"الكافوريات"، و"الروميات"… و"النوّاسيات"، فصار "قطر القطر" رماداً وكبريتاً، و"أمير المقاومة" عميل إسرائيل، و"شكراً… قطر" الى "لعنة قطر"، وأميرها، ورئيس وزرائها ونفطها ورملها… ومن أمير البركة… والخير الى رأس الأفعى! وأنت عليك أن تتبنى الموقفين المتناقضين أو تكون عميلاً لأميركا (ألا تلاحظون أن الوصاية السورية لا تُدرج اسم إسرائيل بين المتآمرين عليها! يا للفطنة! ويا للدهاء!). وهكذا دواليك! اليوم، انتقل "بتوع" 8 آذار (المشهود لهم بحسهم الديموقراطي، السيادي، الجمهوري، السلمي، التعددي، الاستقلالي، الإنتمائي العميق للأرض والحدود والوطن!) من معزوفة الأقليات المعهودة كالدروز والعلويين والمسيحيين والأكراد في سوريا ولبنان (ولِمَ لا مصر) من قبل أهل السلفية والأصولية (يقصدون الأكثرية السنية: جعلوا من كل السنة العرب سلفيين حتى طه حسين، ومحمد عبده، والطهطاوي، والأفغاني، وربما نجيب محفوظ سلفيين، مزنرين بالأحزمة الناسفة، يبيدون بها الأقليات!).

رائع! كما الى معزوفة الحروب الأهلية. في موضوع الأقليات رُبط هؤلاء بحماية الطغاة، ليُجعلوا جزءاً من جرائمهم! إما في الثانية، أي ربط مصير النظام السوري باستقرار المنطقة، خصوصاً لبنان، المبتلي بهؤلاء وقد سبق أن قال الرئيس بشار الأسد أن المنطقة كلها ستنفجر في حال تعرّض نظامه لأي هجوم، ثم قال السيد حسن نصرالله بنبرة أشد الكلام ذاته، ولا ننسى تصريحات خامنئي ونجاد (وكلها مصوغة بقاموس سياسي ممانع). وبعد هؤلاء أكملت المعزوفة أنغامها وتطاريبها وتقاسيمها فسمعنا من أصوات رخيمة بوفائها لأوليائها، أنه إذا سقط النظام السوري، فستشتعل حرب أهلية في لبنان. هكذا بكل بساطة! وبكل وطنية وشرف وإباء وإخلاص. أما لماذا حرب أهلية عندنا تخصيصاً، بعد تعميم الخراب على لسان وليد المعلم، وحسن نصرالله وميشال عون (جنرال المقاومة، وملهم الممانعة)، فالله أعلم! ومن سيقوم بالحرب الأهلية، فهذا سؤال لغّمه قائلوه! والمضحك المبكي أن أرجوزة "الحرب الأهلية" رافقت كل جولات الحروب عندنا، على امتداد نصف قرن من تعاقب "طغاة العروبة"، و"الصمود والتصدي" و"دول الطوق"، وطغاة بني صهيون. فإزاء كل استحقاق كانت أصوات تطلع وتهدد بحرب أهلية إذا طالب أحد بضبط سلاح المقاومة الفلسطينية أيام عرفات والفصائل الأخرى هددوا البلد بحرب أهلية، وإذا طالب أحد بعدم تدخل "الوصاية السورية" في الشؤون الداخلية، هددوا البلاد بحرب أهلية. وإذا طالب أحدٌ بإعادة انتشار الجيش السوري "الممانع"، هددوا البلد بحرب أهلية مدمّرة. وإذا طالب أحدٌ بالمحكمة الدولية… هددوا البلد بحرب أهلية. وإذا طالب أحدٌ بنزع السلاح غير الشرعي من المناطق والميليشيات، هددوا بحرب أهلية. إذا طالب أحدٌ بعدم تدخّل سلاح حزب الله في الداخل، هددوا البلد بحرب أهلية. وإذا أرادوا فرض معادلات سياسية في "الدوحة" مثلاً هددوا بحرب أهلية. وإذا طالب أحد بترسيم الحدود مع سوريا… هددوا البلد بحرب أهلية!.. تربينا نحن وترعرعنا وكبرنا وشبنا على معزوفة الحرب الأهلية. و"موسيقاريو" هذه المقطوعات الدموية يكادون يكونون أنفسهم، يعزفون على أوتار هذه الوصاية أو تلك! وحالياً يبدو أمر اليوم هو استعادة هذه المعزوفة، بعدما وصلت أمور النظام السوري الى ما وصلت إليه في الربيع السوري، وبعدما بدأت تباشير التساقط واضحة. فإما "النظام السوري" أو "خراب لبنان"، وإما إنقاذ "النظام السوري" أو "تدمير لبنان"؛ فهؤلاء يستعملون "وطنهم" (الثاني أو الثالث) لبنان كورقة ضغط لمصلحة النظام السوري. وغداً نظام ولاية الفقيه (دام ظله الشريف) فهذا الأخير "أغلى" على قلوبهم، وعلى عقولهم، وأفئدتهم، وأكبادهم، من هذا "اللبنان" الصغير! وعندما يهدد هؤلاء بحرب أهلية (ورقة الأقليات احترقت في حناجرهم!) فيتهمون سلفاً خصومهم بإشعالها. أي أن حَمَلَة السلاح والـ40 ألف صاروخ (هل ستصدأ في الرمال!)، وجماعة القمصان السود، والمدافع، وراجمات الصواريخ، يتهمون من لا يمتلكون السلاح بإشعال "حرب أهلية مسلحة"! تحت غطاء كثيف من "كمخات" أصواتهم، و"زفرة" ألسنتهم، بالتخوين، والتآمر، والتسلّح والعمالة (العملاء الأصليون الأنقياء بعمالتهم يتهمون الآخرين بالعمالة: رائع!). وهل ننسى وعودهم "القيّمة" بشأن المحكمة "لبنان قبل المحكمة شيء وبعدها شيء آخر"! إنهم ذوو الأصابع الخشبية المنخورة، دأبوا على ترويع أهلهم، وجعلهم "وقوداً" في نيران الآخرين! ها هم يُطلون اليوم مجدداً كغربان العتمة ليزرعوا الخوف، ويجددوا الانقسامات، ويثيروا الغرائز، لتسهيل مرور الإشاعات والمواقف، التي تخدم مصالح إيران والنظام السوري!

إن هذه "الأسلحة" الإعلامية "الفاسدة" تستنفد يوماً بعد يوم، وتبدو طائشة أحياناً، ومن ورق أحياناً أخرى، فمن مسألة "السلفيين" و"الإرهابيين" و"الأصوليين" و"التقسيم" (تكلم القذافي عن مؤامرة التقسيم، وكذلك النظام السوري، واليمني…)، و"الأقليات"، وإحراق المنطقة، ها هي معزوفة "بيضافون" تتجدد تحت طلب المستمعين من أهل الأنظمة المنهارة! والسؤال: هذه الحرب الموعودة (من أهل الميعاد!) بين من ومن؟ وهل شنّ حرب هنا أو اغتيالات هناك، أو تفجيرات، أو عمليات خطف، قد تحقق أهداف هؤلاء "الوطنيين" الرائعين، بإنقاذ النظام الحليف، أم بتغيير المعادلات! يبدو أن القطار سبق هؤلاء، هنا وهناك وهنالك… وأن الهاوية هي المساحة الباقية… لتهاويهم!
بل كأن الزمن الجديد وزمنهم باتا على توازٍ… لا يلتقيان بإذن الشعب السوري… والشعوب العربية المنتفضة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل