كانت تستعر في سوريا ولكن تحت رماد الحرية، ليس لان الحرية رماد، انما لان الجمر الأحمر منه رماده. وكانت الخطوات المتلاحقة على حدود الخطوات، تطاردك كما الأفاعي في جحر الموت، وكان السافل والاسفل منه يتتبعون دعساتك الجريئة، وإقدامك المنفتح على الآخر المختلف، والآخر المتمايز، والآخر الخارج من لبنان الى حدود الندّ.
امام كل هذا الآخر الذي مدّ اليه كلتا يديه، امتدت رصاصات حقيرات لكنها اشرف من مطلقها، لتستقرّ في جسد بيار، وتخترق زجاجاً، وتخترق أضلعاً وعظام… ونبكي ونحزن … وننسى؟!
لا أظنّ، لا اعتقد ان النسيان هو مدخل العلاقة بين القاتل وبين المقتول، او بين الحرية وبين الاستعباد، لان كل صرخة طفلٍ وبكاء زوجة ودعاء أمّ ، يحمل كل نداءات البشرية الى العدالة منذ "هابيل".
وإذا كان من دليل على قتل النسيان، فإن ربيع العرب الذي يُلوّح، وزهر اللوز الذي يطلّ ابيض على لبنان، يحمل في طياته إشارات فاضحة لما يمكن ان تثمره الشهادة.
قال الإمام الخميني لأتباعه يوماً:"مثلُ هذه الشهادات تضمن النصر، وتفضح أعداءكم حتى ولو كان العالم يؤيّدهم"، وقال حقاً! لان مثل شهادة بيار ورفاقه تفضح القاتل وتضمن النصر المبين بسلاح أقوى من الحديد؛ قُــل سلاح الحق والعدل الذي يتهافت الإنسان باحثاً عنه، لاهوتاً وأرضاً وإلحاداً على حد سواء.
حين سقط بيار الجميل، كانت الرحلة الى موقع العدل لا تزال طويلة، وحين وقع مضرّجاً بدمائنا وخوفنا، لم يكن يعلم ان خوفنا هو جزء من ريش الطير نحو الفوق وليس نحو الحُــفر. وتراه لم يكن يثق ان الخطوات سوف تسير بنا ولو لم نسر بها، لذلك كان في عجالة دوماً وفي هيجان العواصف، ودوران النوّ، الى ان أزُفت الساعة.
اقول له لو تعلم ماذا بعد تلك الساعة؟
بعدها مات كثيرون وصار المجلس من دون نواب، وصار آخرون خارج الخوارج، وصاروا ينادون بما لا يشبه المنطق، وأمست الحقيقة سلعة، والعدالة لبعضهم كذبة، وموتك لديهم وسواك من الشهداء، له ما يبرره وما يخفف من وقعه على الواقع!
بعد رحيلك -كما قبله- تطاولت الأيدي على رموزٍ كثر، حتى استحالت استباحة المقدسات من العاديات، ويومياتنا انغمست بتفاصيل ممجوجة ومُنضّجة بالقوة كما الاعتصام والمجلس المقفل رغماً، والحرب العبثية والتحرير المعطّل، والتدخل السوري غير الجديد بل المستعاد على فوهات الخوف والموت.
ولكن بعد رحيلك يا صديقي، اشتعل حسد الروح في شبابٍ عربي يريد، ويصرّ انه يريد، من تونس الى ليبيا ومصر واليمن واليوم سوريا… نعم يا صديقي بيار، هناك شعبٌ يريد…علّك تبتسم!