#adsense

طاولة حوار لـ 14 آذار

حجم الخط

قد يكون حديث تداعيات سقوط النظام السوريّ على لبنان، مجرّد مزحة سمجة، أو تهويلا، أو تسرّعا في القراءة السياسية، أو استنتاجا منطقيّا. لكنّ تعدّد زوايا النظر الى الموضوع، لا ينفي مخاطره.

والسؤال الذي لا يغادر الاهتمام السياسي، في ضوء ذلك، هو ما سيكون عليه موقف حلفاء النظام السوريّ الممعن في السير نحو نهايته: هل يمعنون، هم أيضا، في انحرافهم عن منطق الدولة ليستكملوا تقويضها علَنا، بعدما عملوا على زعزعة مداميكها، أم يبادرون، انطلاقا ممّا سيتبقّى لهم من مظاهر القوّة والتسلّط، الى طرح الدعوة الى مصالحة وطنيّة تحت رايتها؟

قد تسمح حماسة الرئيسين سليمان وبرّي لإعادة طاولة الحوار بالاستنتاج أنّ «الحزب الحاكم» يبحث عن مخرج لحشرته المقبلة، هو العودة الى نقاش وطنيّ مع خصومه السياسيّين. لكن خطب أمينه العام، وإن عكست ضعفا ضمنيّا، فإنّها لا تحمل إشارات في هذا الاتّجاه. أضف أنّ مسار الحزب لا يؤشّر الى أيّ تفاؤل. فهو يدين بكينونته الى استراتيجيّة إقليميّة وضعتها طهران، ثمّ انضمّ اليها الأسد الأب في نهاية الثمانيات، بعد مواجهة بينهما في الساحة اللبنانيّة كانت أدواتها «حزب الله» و»حركة أمل»، انطلقت بحجّة رفض الأوّل شنّ الثانية حربا تدميريّة على المخيّمات الفلسطينية لإخضاعها للنظام السوري، بينما كان المكمن الفعليّ للنزاع هو رغبة ايران في وضع يدها على لبنان، لتكون على حدود الكيان الصهيوني، ممّا يعزّز حجّة زعامتها المنشودة على العالم الاسلامي. وقد انتهى الصراع على النفوذ الى تقاسم القوّتين الإقليميتين السطوة على لبنان، وتقاسم امتداديهما المحلّيين الضاحية (أمل) والجنوب (الحزب)، الى أن انفرد الثاني بالمنطقتين (وغيرهما)، وترك للأولى دوراً رمزيّا مرتهنا به.

لم يخالف الحزب ارتباطه بإيران من قبل ان يولد رسميّا عام 1985، ويعلن التزامه «بأوامر قيادة واحدة وحكيمة وعادلة، تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط وتتجسّد حاضراً بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظلّه مفجّر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة». فهل يجوز الرهان على لبننته عند سقوط حليفه في دمشق، وتاليا الرهان على انخراطه في حوار وطنيّ جدّي للعبور الى الدولة، وبناء الوطن الذي لا يمكن ان يبنى من دون جمهور «حزب الله» ولا يمكن ان يبنى وفق رؤية هذا الحزب؟

هذا السؤال ليس يتيما، فسقوط النظام في سوريا، لا يضع الحزب وحده امام مواجهة جدّية مع اهل بلده. فخصمه السياسيّ، أي قوى 14 آذار، مدعوّ ايضا الى الإجابة على سؤال اكثر جذريّة، يعيدنا الى الحرب البائدة، يوم كان يردّده مؤسّس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميّل، وهو «أيّ لبنان نريد؟». فلطالما ردّدت قوى 14 آذار الدعوة للعبور الى الدولة، لكنّها، عمليّا، لم تقدّم أيّ تصوّر لهذه الدولة التي تريدنا ان نعبر اليها. لكأنّ هاجسها كان تخطّي الحواجز التكتيكيّة التي واجهتها منذ سقط نظام الوصاية في دماء الشهيد الرئيس رفيق الحريري، وقافلة شهداء الاستقلال، من دون أن تستعدّ للغد، وتتّفق على الدرب اليه، ربّما لأنّ أطرافها لا ترى الرؤى نفسها، فتترافق في مسارات متوازية، قد لا يكون مؤدّاها واحداً.

يسود الإبهام مواقف فرقاء 14 آذار إذا ما نقل النقاش من العناوين العريضة الى تفاصيلها، من «اتّفاق الطائف» الى قانون الانتخابات واللامركزية الادارية، والخصخصة، وموقع الطوائف، كجماعات، في البنية السياسية، ودور الحيّز الديني في الحياة العامّة، ومدى أولويّة القانون على مصالح التركيبة العشائرية – العائلية – المناطقية – الدينية – المذهبية، من دون أن نسقط من النقاش ميول البعض الى الفيديراليّة أو الكونفيديراليّة، وتسليم بعض آخر بالدولة المركزيّة. من دون تناسي مصير سلاح الحزب بما يساعده على الخروج من مأزقه وهو التحوّل من ميليشيا مقاومة (تحوّلت إلى الداخل) إلى حزب سياسيّ ينخرط في العملية الديموقراطية بقوّة برنامجه السياسيّ لا سلاحه.

قد تكون 14 آذار أرجأت، ضمناً، النقاش في صيغة الدولة التي تدعو اللبنانيّين للعبور اليها. لكنّ توسّع الربيع العربي حتى دمشق، يدهمها ويضعها أمام امتحان اجتماعها التلقائي عام 2005 يوم صرخ اللبنانيّون «لبنان أوّلاً»، واليوم، على من تقدّم لقيادتهم أن يجيب، أيّ لبنان هذا الذي يريدونه أوّلاً؟

قيادة 14 آذار مدعوّة اليوم، قبل الغد الى نقاش في عمق ما اجتمعت عليه، والردّ أيضاً على سؤالين مؤجّلين هما: ماذا يُطمئن المسيحيّين، وماذا يُطمئن المسلمين الشيعة؟ فلقد اشتغل خصوم 14 آذار، الإقليميّون والمحلّيون، وما بينهما، على استثارة مخاوف المسيحيّين، بعد زرعها، ما يعزّز الحاجة الى «سيّدة جبل» إسلاميّة ـ توفّر أسُس التطمين المطلوب.

في الموازاة، لا يمكن مواجهة وضع يد «الثنائيّة الشيعيّة» على طائفة بكاملها، من دون تظهير مشروع الدولة التي يجب العبور اليها، وأدوار الجميع فيها، باعتبارها الناظم لحياتهم ووجودهم.

لقد توّج الحزب، بالسلاح والمال والترهيب والترغيب عمارة من العمل الاستراتيجي، الذي أسّس لخلق هويّة ثقافية – اجتماعية – اقتصادية لجمهوره، ليميّزه عن الهويّة الوطنية الجامعة التي توحّد اللبنانيّين، برغم غموضها، وليعزله في حيّز جغرافيّ حينا، ومعنويّ أكثر الأحيان، ترسمه عبارات كـ»أشرف الناس»، ووقائع كدور التعليم، ومراكز الاستشفاء، وفرص البطالة المقنّعة، وتسهيلات العمل. وحتى زيجات «مشاريع الشهداء»، والبناء على المشاعات وأملاك الغير، والتجارة الموازية، بحيث جعل «تسرّب» من يريد من هذه «البوتقة» صعبا، إن لم يكن مستحيلا.

إنّ تفكيك هذا البناء «غير الشرعيّ»، وطنيّا لا يمكن ان يكون من دون اقتراح البديل الضامن لمساواة الجميع أي الدولة الوطنية، وهويّة المواطنة، وفق قانون واحد، وعقد اجتماعيّ يرتضيه الجميع، لكن مسؤوليّة وضعه تبقى على منكبي الطليعة التي تتصدّى قوى 14 آذار مجتمعة ومتفرّقة للعب دورها.

إنّه التحدّي الحقيقي أمام 14 آذار، والمسؤوليّة الأبرز تقع على «تيّار المستقبل» فيها. أوّلا لأنّه الأوسع قاعدة، والأهم أنّ جمهوره الأكبر هو من المسلمين السنّة، وإذا كان عددهم لا يمنحهم وطنيّا، ميزة، لأنّه يوازي أعداد كلّ طائفة أخرى، فإنّ محيطهم يحمّلهم مسؤوليّة ضمان احترام لبنان، سيادة واستقلالا، برغم أنّهم حسموا منذ 2005 بأنّ لبنان أوّلاً. ولم يتوانوا في تأكيد ثباتهم على ذلك، وعلى المناصفة، واتّفاق الطائف.

كان خروج نظام الوصاية مطلباً، بينما العبور الى الدولة قضيّة. الأوّل احتاج الى كلمة جامعة كانت «لبنان أوّلا» أمّا الثانية فتحتاج الى خطّة جامعة، أبعد من انتخابات 2013، ومن سقوط حكومة نجيب ميقاتي أو بقائها أو ترنّحها.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل