كتبت هدى شديد في "النهار": منذ السادس عشر من تموز الماضي، والدعوة الى معاودة الحوار التي اطلقها رئيس الجمهورية ميشال سليمان من دارته في عمشيت، تتأرجح في عالم العصف الفكري بين موالاة تؤيدها ومعارضة تتحفّظ عنها. رئيس الجمهورية وبعد مشاورات مع القيادات المعنية، لم يجد ارضية مشتركة يمكنه أن يقيم عليها طاولة الحوار في طبعتها الرابعة، وهو الذي أعلن في مبادرته الى هذه المشاورات،"التمهيد لبلورة وتطوير أطر حوارية مناسبة لحماية لبنان وتحصينه من المخاطر الداخلية والخارجية، من دون التوقف عن المسعى الأساسي الهادف الى التوافق على استراتيجية وطنية للدفاع عن الوطن".
ومنذ أكثر من اربعة اشهر، لم يلاق الرئيس سليمان الى هذه الدعوة سوى عرّاب الحوار الأول، رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أعلن أنه سيلتقي رئيس الجمهورية قبل عيد الأضحى ليعرض عليه فرص اطلاق الحوار مجدداً، وانه سيستفسر منه عن مواقف بعض الاطراف الذين قالوا انهم "مع الحوار ولكن", مؤكداً ثقته بموافقة الرئيس نجيب ميقاتي و"حزب الله" والعماد ميشال عون والنائب وليد جنبلاط على معاودة الحوار، واستعداده لمفاتحة رئيس "كتلة المستقبل" النيابية الرئيس فؤاد السنيورة في هذا الموضوع، اذا لمس من رئيس الجمهورية أن هناك أرضية يمكن الانطلاق منها".
ورأي رئيس المجلس منذ اللحظة الأولى "أن مواضيع الحوار عديدة وملحّة، ومن أبرزها كيفية تحصين لبنان لمواكبة التطورات التي تشهدها المنطقة والحد من انعكاسـاتها المحتملة على البلد، و المطلوب في هـذا الاطار ألا يتدخل أي فريق لبناني في أحداث سوريا، و الاستمرار في سياسة النأي بلبنان عما يجري فيها…
رعد
وكما هو موقف بري من "أن الحوار ينبغي أن ينطلق من دون شروط مسبقة من أي طرف، لأن طرح الشروط يتعارض مع مبدأ الحوار"، كذلك هو الموقف الذي أبلغه رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد لـ " النهار" في معرض استطلاعها لمواقف أبرز أطراف هيئة الحوار، بقوله: "حزب الله موقفه على الدوام هو تأييد الحوار، والمتحاورون يتفقون على مواضيعه. ليس للحزب شروط مسبقة ولا يقبل بشروط مسبقة".
عون
في 4/11/2010، انعقدت آخر جلسة لهيئة الحوار الوطني بطبعتها الثالثة، والتي شكلها رئيس الجمهورية بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، وكان رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" أول من قاطعها، فتوقفت، بسبب عدم قبوله باستمرار البحث في الاستراتيجية الدفاعية، ولكنه اليوم "كان من أوائل الموافقين على الدعوة للعودة الى الحوار، على أساس استكمال البحث بما كان بدأ البحث به، وهذا الموقف الايجابي أبلغه العماد عون لرئيس الجمهورية. ويقول المقرّبون منه أن موقفه السابق بمقاطعة جلسات الحوار، لم يكن أكثر من ردة فعل على الحكومة السابقة وتصرّفاتها".
وفي المقلب الآخر، تفيد المعلومات أن قيادات الصف الأول في 14 آذار تشاورت ونسقّت في ما بينها، الموقف الاعتراضي والتقت على مبرراته التي أبلغتها الى رئيس الجمهورية تباعاً وبمضمون واحد. ورئيس "تكتّل لبنان أولاً" الرئيس سعد الحريري الذي أخرج نفسه من المسرح الداخلي وما يشهده من صولات وجولات في الحوار أو في المواجهة، بدا واضحاً في اطلالته اليومية عبر "تويتر"أنه ماضٍ في مواقفه الطلاقية مع الفريق الآخر، وآخرها تأكيده "أن السلاح يجب أن يكون في يد الجيش فقط ويجب ان يسلم حزب الله سلاحه للحكومة"، مع يقينه بـ"أن الحكومة يجب أن تسقط، وسنسقطها".
وفي هذا السياق، أوضحت أوساط مقرّبة منه الرئيس السنيورة، لـ " النهار" أسباب عدم التجاوب مع الدعوة الى الحوار،بالقول:" ان الحوار كان في وقت ما محط اعتزاز بأنه توصّل الى اتفاق على قرارات مهمة في قضايا محددة، من أبرزها المحكمة الدولية والسلاح الفلسطيني وترسيم الحدود، وهي لم تنفّذ من جانب السلطة حتى الآن، ولا حتى مع هذه الحكومة الخالية من التجاذب بين فريقين. حتى اننا نرى خروجاً عن القرار بشأن المحكمة من قبل بعض الأطراف."
وسألت:" لماذا الحوار اذاً؟ لا معنى له اذا كانت قراراته نظرية. الكل يعرف من أوقف الحوار السابق. وأطراف أساسيون في الموالاة يقولون ان سلاح حزب الله، ليس موضوع حوار، علماً أن الحوار تقرّر من أجله في الأساس، وهو سلاح لحزب منفصل عن الدولة، ويمتلك قدرة عسكرية وذاتية. وهو لم يستكمل ولم يتمّ الاتفاق عليه. كيف يفسّر هذا الكلام بغير عدم رغبة هذا الفريق في الحوار حول البند الأساسي؟ أوليست الدعوة الى الحوار اليوم طريقة للتغطية على الوضع الشاذ، ولاظهار أن اللبنانيين اتفقوا على قيام هذا الوضع الشاذ كما هو، وكأننا جميعاً يداً بيد قبلنا بسلطة أمر واقع، ولا اعتراض لنا عليه؟".
وختمت: "القبول بحوار للحوار، أو لمنع كلام جدي لمعالجة السلاح، يعني أننا ندخل في ضحك على اللبنانيين الذين لا يضحك عليهم بهذه السهولة".
الجميل
بدوره، سأل الرئيس امين الجميل عبر "النهار":" اذا كان الحوار حوار طرشان بما يعني أن كل انسان يأتي لكي يدلي بدلوه بأفكار مسبقة وعقائدية غير قابلة للنقاش، فلم يعد هذا بحوار. والمشكلة اليوم أن هناك مجموعة أمور اتفق عليها ولم تنفّذ حتى الآن، وأن فريقاً يأتي الى الحوار بطروحات عقائدية جامدة، وهو يعلن مسبقاً أنها منزلة ومقدسة وغير قابلة للنقاش، بينما يعتبر الآخرون أن هذه الأمور بالذات هي التي يقتضي أن تناقش وأن يتم التوافق حولها، أي سلاح حزب الله".
الرئيس الجميّل الذي كان تشاور مع رئيس الجمهورية أوضح ما طرحه لجهة " أن يستخلص رئيس الجمهورية داعي وراعي هذا الحوار، والذي بحوزته كل المحاضر، خلاصة كل المناقشات وأن يضع ورقة رئاسية تحدّد المشكلة وتقترح لها الخيارات والحلول المتاحة، فيختصر النقاش بها. أما ما عدا ذلك، فسيعود بنا الى منطق "المونولوغ وليس الى " الديالوغ". وفي أي حال، نحن نقرّر موقفنا على ضوء اقتناعنا بأن الورقة المقدمة قادرة على انتاج النتائج المرجوّة".
جعجع
ومن جهته، أبلغ رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع موقفه الى رئيس الجمهورية، كما أعلنه في الاعلام، فهو رأى في "دعوة الرئيس بري الى الحوار محاولة تعويم وانقاذ لبعض الأطراف وليس للوصول الى نتيجة"، وأكد عدم "استعداده لحوار كهذا الا بوجود نية جدية لدى الفريق الآخر لحوار جدي يتناول النقطة الوحيدة التي ما زالت معلقة على جدول الأعمال وهي تحديداً سلاح حزب الله".
وفي خلاصة موقف قوى 14 آذار، يقول نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري لـ"النهار": ان الحوار مر بمرحلتين: في الأولى عندما عقد بدعوة من الرئيس نبيه بري في مجلس النواب وتم الاتفاق على بنود عدة لكنّ قسما كبيرا منها لم ينفذ، في حين تم التراجع عن قسم آخر، وفي الثانية عندما عقدت هيئة الحوار الوطني بمبادرة من رئيس الجمهورية، وكان متفقاً على أن يكون موضوعها الوحيد سلاح حزب الله والاستراتيجية الدفاعية، فقد أبدى فريق 14 آذار تعاوناً الى أبعد الحدود، وقدم اوراقاً وطرح أفكاراً، غير ان الفريق الآخر كان متشنجاً ومتصلباً وتصرف من منطلق أنه اتخذ قراره وليس مستعداً للتحاور في شأنه، ووصل الأمر بمعظم فريق 8 آذار الى أن قاطع آخر جلسة بسبب موضوع ما يسمى شهود الزور، الذي وضعوه شرطا لمواصلة الحوار".
وأضاف مكاري: "الآن يحكى عن الحوار، ونحن نرى أن الحوار ضروري ومهم، في المطلق، وهو الطريق الأمثل لحل المشاكل، ولكن انطلاقاً من التجربة السابقة، باتت ثقتنا بالطرف الآخر معدومة، ونعتقد ان استمرار الحوار بهذه الطريقة مضيعة لوقت الجميع، لا بل هو يصب في خانة مصلحة الفريق الآخر في المماطلة وكسب الوقت".
وفي الخلاصة، يقول مكاري: "أي دعوة للحوار اليوم، يجب أن يسبقها تنفيذ كل ما اتفق عليه في المرحلة الأولى من الحوار، والاشارة الأولى والأهم في هذا السياق هي الالتزام بتمويل المحكمة الدولية. وفي حال تم تنفيذ البنود التي اتفق عليها، يمكن أن ننتقل الى الحوار، تحت عنوان تسليم حزب الله سلاحه الى الدولة، واذا تم التوصل الى نتيجة في هذا الموضوع، نبحث بعد ذلك في الاستراتيجية الدفاعية، وبعد الاتفاق في شأنها، يمكن عندئذ، وعندئذ فقط، أن ننتقل الى مواضيع أخرى".
اذاً رئيس الجمهورية ينتظر جواباً ايجابياً لم ولن يأتيه من فريق 14 آذار، ورئيس المجلس ينتظر من رئيس الجمهورية جواباً لا يملكه، وكما مرّ الأضحى قد يعبر وراءه عيد الميلاد وما بعد بعد رأس السنة، من غير أن تعقد هيئة الحوار التي رفعت مطلع تشرين الثاني الماضي على أن تعاود قبل عيد الاستقلال من السنة الماضية.