كتبت سابين عويس في صحيفة "النهار":
بعد الالتباس الذي أحاط الموقف اللبناني من قرار الجامعة العربية في حق سوريا وأثار موجة من ردود الفعل المستنكرة، معطوفاً على الشكوك المحيطة بمدى تنفيذ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي التزاماته الداخلية والعربية والدولية حيال تمويل المحكمة الخاصة بلبنان، بدأ هذا الاستحقاق يلقي بثقله على رئيس الحكومة، وخصوصاً أن موقفه بدا كأنه يعبر عن رأيه الشخصي ولا يلزم حكومته التي ما انفك عدد من مكوناتها، ولا سيما من جانب "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" يؤكد تمسكه برفض التمويل.
وعلى رغم حرص ميقاتي على الاعتصام بالصمت والاكتفاء بشرح حيثيات الموقف الرسمي من قرار الجامعة من دون أي مقاربة لملف المحكمة إلاّ بالعناوين العريضة التي يؤكد فيها التزامه الشرعية الدولية وقراراتها، يخرج زواره بانطباع بدأ يشعر بثقل هذه المسألة التي التزمتها حكومته مبدئياً وثبت هو بمواقفه المعلنة وحركة اتصالاته الداخلية والخارجية التزامه اياها. وهو متمسك بترجمة التزاماته تلك أفعالاً لا أقوالاً. يرى أن الوقت حان لذلك، وانما ليس تحت وطأة الضغوط الدولية المتنامية أو ضغوط المعارضة المتمثلة باطلاق تحرك تصعيدي في اتجاه اسقاط الحكومة، يقوده بشكل رئيسي "تيار المستقبل" من مسقط رئيس الحكومة على خلفية معروفة سلفاً عنوانها الجوهري تخلف الرئيس السني عن التزام المحكمة التي تنظر في اغتيال رئيس الحكومة السابق وزعيم السنة الرئيس رفيق الحريري.
فميقاتي الذي التزم المحكمة وكل اجراءاتها، التزم في الوقت عينه المسار الاجرائي المطلوب من أجل تنفيذ التزاماتها، ومنها التمويل. وهو، اذا كان استغل الوقت الفاصل عن موعد الاستحقاق، انما فعل ذلك من أجل توفير أوسع اجماع ممكن حول هذا الموضوع بحيث يأتي ضمن التوافق السياسي وليس تحت ضغط المواجهة أو ما يشبه استهداف فئة من اللبنانيين عبر استعمال هذا الموضوع وسيلة ضغط. وكان العمل جارياً على محورين أحدهما تأمين المسار الاجرائي الذي يضمن التمويل ضمن الاطر القانونية المتاحة، والآخر إجراء مروحة واسعة من الاتصالات بين مختلف الافرقاء بهدف التوافق على المخرج الذي يضمن التزامات لبنان وسمعته حيال الامم المتحدة (التي تشكل الفريق الثاني في اتفاق انشاء المحكمة) كما يضمن التزام لبنان مسار العدالة وكشف المجرمين المتورطين في اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه.
وينقل زوار السرايا عن رئيس الحكومة قوله إن المسار وصل الى نهايته "ودقت ساعة الحقيقة" و"الوقت الذي سعينا الى كسبه انتهى وبات علينا اتخاذ القرار". ويستند ميقاتي في كلامه هذا الى المراسلات الاممية التي بدأت تتوالى على لبنان منذ نهاية أيلول، مذكرة لبنان بضرورة سداد حصته من تمويل المحكمة، "وقد عمدنا في حينها الى رفع تلك المراسلات الى وزارتي المال والعدل لاتخاذ الاجراء المناسب الذي يترجم التزام لبنان تعهداته الدولية". وكان واضحاً من تلك المراسلات ما نبه اليه الامين العام للأمم المتحدة من أن المهلة الاخيرة لسداد المتوجبات هي 15 كانون الاول 2011 أي خلال أقل من شهر من اليوم، والا سيضطر الامين العام الى رفع الموضوع الى مجلس الامن لاتخاذ القرار المناسب، والذي يعني عملياً تسجيل مأخذ قد يكون الاول من نوعه في تاريخ لبنان، وهو تخلّفه عن التزام مالي متوجب عليه بصرف النظر عما اذا كان هذا التخلف لأسباب سياسية أو لا، باعتبار أن هذا يصبح شأناً داخلياً لا يتعلق بالفريق الاممي الذي وقع معه لبنان اتفاق انشاء المحكمة.
واذ يضع رئيس الحكومة نفسه في فوهة البركان الذي سيخلفه اثارة هذا الموضوع، يعي تلك الاخطار ويقول أمام زواره: "سعيت جاهداً منذ تكليفي رئاسة الحكومة الى التوفيق بين المواقف المتباينة من هذا الملف، آملاً التوصل الى حل توافقي يجنب لبنان تداعيات تخلفه عن التزاماته ولا يحرج فريقا سياسياً أو يضعه في مواجهة مع الافرقاء الآخرين، ولكن الوقت حان لاتخاذ القرار: نمول أو لا نمول"، وذلك في اشارة واضحة الى ان رئيس الحكومة لم يعد مستعداً لأن يغطي أحداً أو يتحمل وزر التخلف وحده، في حين أن موقفه ليس هكذا.
وعلى هذا، أعاد ميقاتي عشية الجلسة النيابية العامة توجيه مراسلة بان الاخيرة الى وزيري المال والعدل طالباً اليهما التحرك. وتأكد من على باب البرلمان من وزير العدل شكيب قرطباوي اذا كان تسلم الكتاب، وكان جواب الاخير بالايجاب. وفي حين بادر وزير المال محمد الصفدي الى اعداد مشروع بسلفة خزينة تغطى من احتياط الموازنة ورفعها الى جلسة مجلس الوزراء المقررة يوم الجمعة المقبل، لا يزال رئيس الحكومة ينتظر جواب قرطباوي لاتخاذ القرار بادراجها في جدول اعمال الجلسة.
وعلم ان حركة اتصالات واسعة متوقعة خلال الاسبوع المقبل بعدما وضع ملف التمويل على طريق الحسم، محورها الاساسي "حزب الله" من أجل بلورة موقفه النهائي من المسألة، وهو الذي طلب أن تناقش على طاولة مجلس الوزراء. أما عن السيناريو المتوقع في الجلسة، وهل يؤدي الى انفجار الحكومة ولجوء ميقاتي الى الاستقالة أو ببساطة تمويل المحكمة؟ فيجيب رئيس الحكومة بكثير من التبصر والروية "فلنترك الاتصالات تأخذ مجراها وبعدها لكل حادث حديث".