#adsense

مآثر الحكومة التي تعيش خارج زمانها!

حجم الخط

أيا تكن "حقيقة" الموقف اللبناني، في مجلس جامعة الدول العربية، من قرار المجلس حول تعليق مشاركة سوريا في اجتماعات الجامعة والمنظمات التابعة لها، فليس باستطاعة لبنان محو واقع أن موقفه وموقف اليمن (يمن علي عبدالله صالح، وهو على ما هو عليه في مواجهة شعبه منذ شهور) كانا الاستثناء الوحيد في الجامعة فضلا عن أنهما كانا "نسخة طبق الأصل" أحدهما عن الآخر. و"طبق الأصل" هنا تعني نوعية "العلاقة" بين الحكم في البلدان الثلاثة: تبعية بين لبنان وسوريا يراد لها أن تبقى مستدامة الآن ومستقبلا، وتماثلية بين اليمن وسوريا يراد لها أن تحول دون تكرار صدور القرار ذاته بالنسبة للثورة ضد النظام في اليمن. ومع أنه اختلفت الأسباب وتعددت، فان الموقف في المحصلة واحد!.

الأكيد أن الموقف اللبناني هذا لم يتخذ في مجلس الوزراء، وحتى لم يناقش فيه كما قال أحد الوزراء، وأنه كان بالتالي من نوع الدوران في الحلقة اياها حلقة "النأي بالنفس" التي جربت أكثر من مرة سابقا بأمل أن تكون كافية لهروب لبنان من اتخاذ موقف في شأن يفترض أن يتخذ موقفا فيه… انسانيا وأخلاقيا، ان لم يكن سياسيا أيضا بالنسبة الى دوره المفترض في المنطقة وتجاه قضايا الشعوب العربية ان في سوريا أو في غيرها من الدول العربية.

والأكيد أيضا أن وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور ذهب الى القاهرة، لحضور اجتماع الجامعة، مزودا برسالة سورية ثبت بطلانها هناك بأن المواقف السابقة لبعض الدول(الجزائر والسودان والعراق) تجاه عضوية سوريا في الجامعة لا تزال على حالها، ولذلك فقد فوجئ الوزير( وحكومته طبعا) بما حدث ووجد نفسه وحيدا الى جانب سوريا ومعها اليمن، ومعزولا تماما داخل المجموعة العربية.

وبغض النظر عما اذا كان الوزير منصور قد تشاور، أو لم يتشاور كما قيل لاحقا، مع رئيس حكومته نجيب ميقاتي في الموقف الذي كان عليه اتخاذه، فالأكيد أيضا وأيضا أن ما وصف بسياسة "النأي بالنفس" قد لفظت أنفاسها في قاعة اجتماعات الجامعة، وانكشفت على حقيقتها الداعمة بالمطلق لنظام الحكم في سوريا، ليس في مواجهة شعبه فقط وانما في مواجهة العالم العربي والعالم كله كذلك.

ثم ماذا تعني سياسة "النأي بالنفس" اذا لم تكن أقله امتناعا عن التصويت على مشروع القرار، كما فعل مندوب العراق في الجامعة، مع أن العلاقات التي تربط بغداد بسوريا من ناحية وبايران من ناحية أخرى لا يرقى اليها الشك لا لدى حكومة لبنان ولا لدى وزير خارجيته والقوى السياسية اللبنانية الداعمة له تحديدا؟.

واقع الحال، أن المأزق السوري الحالي أضاف الى سلسلة مآزق الحكومة، منذ اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري ثم تكليف الرئيس ميقاتي ثم تشكيل حكومته هذه ثم بدء شد الحبال في داخلها، مأزقا جديدا يتعلق هذه المرة بحكومة أقل ما يقال فيها أنها تسير عكس التيار الذي يعصف بالمنطقة من أقصاها الى أقصاها وينقلها عمليا من مرحلة الى مرحلة أخرى مختلفة تماما. وبهذا المعنى، فهي حكومة ولدت في غير وقتها كما أنها تمارس سياسة من زمن آخر، ان على المستويين العربي والدولي أو حتى على المستوى المحلي بين مكونات اللعبة السياسية الضيقة في الداخل اللبناني.

هي حكومة تفتقر الى الرؤية المطلوبة في مثل هذه الحال، فتضيّع ما يعتبره اللبنانيون سلّم أولوياتهم على الصعيد العربي لتعزل نفسها في زاوية لا بد أن تنعكس خسائر فادحة عليها وعلى لبنان كله في المستقبل القريب، فضلا عن المتوسط والبعيد. وبعد موقفها من تعليق مشاركة سوريا في الجامعة، ماذا عساها تفعل في حال اتخاذ القرار العربي المتوقع في أي وقت بفرض عقوبات سياسية واقتصادية على سوريا، أو في حال اعتراف الجامعة رسميا بـ"المجلس الوطني السوري"، كما أشار قرارها السابق، أو بالتالي بدء البحث معه في طبيعة ما وصفه القرار اياه بـ"المرحلة الانتقالية" في سوريا؟.

هل تملك الحكومة عندما يحين موعد الاستحقاقات هذه(وهو آت كما تشير التطورات الراهنة) فسحة جديدة لمزيد من "المناورة" على الألفاظ والكلمات، أم أنها ستختار مرة أخرى الالتصاق بالنظام السوري من دون التزام، أو حتى مجرد مراعاة، الموقف العربي الاجماعي، فضلا عن اللعب بمستقبل العلاقات الأخوية بين الشعبين اللبناني والسوري؟.

وهل يملك اللبنانيون، بعد ذلك كله، ما يجعلهم يسكتون(هل هم ساكتون فعلا الآن؟) عن الأوضاع المتأزمة بكل معنى الكلمة التي يعيشون فيها، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، منذ ولادة هذه الحكومة بالطريقة والأسلوب اللذين تم بهما قلب الوضع الحكومي في البلاد قبل أكثر من أربعة شهور حتى الآن؟.

من نافل القول، أن تبعات السياسات المحلية والاقليمية التي جيء بالحكومة من أجل انتهاجها، ثم تأثيرات وضع هذه السياسات قيد التنفيذ العملي، أوصلت لبنان الى ما هو عليه في هذه الفترة: العجز عن حل أية مشكلات اقتصادية واجتماعية مثل زيادة الأجور للقطاعين العام والخاص، والمراوحة في المكان نفسه في ما يتعلق بالوضع الأمني العام وحياة الناس الخاصة، وانقطاع الصلات بين اللبنانيين من جهة وبين لبنان والعالم الخارجي من جهة ثانية، وصولا في الفترة الأخيرة الى انقطاع الصلات بين لبنان وعمقه العربي على خلفية الموقف اللبناني غير المسبوق في الجامعة العربية وقرارها الاجماعي من النظام السوري في ضوء الثورة الشعبية المستمرة ضده منذ ثمانية شهور.

وطبيعي أن لبنان لا يستطيع أن يتحمل وضعا في مثل هذا الوضع المتردي على كل صعيد.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل