Site icon Lebanese Forces Official Website

عن المحلّقين في التهويل!

رفعت جولات المبارزة الجارية بفصول متلاحقة ومحدودة بمهل زمنية بين الجامعة العربية والنظام السوري كأنها نذير العدّ العكسي لغامض جديد يهرول مسرعاً، وتيرة الانفعالات السياسية اللبنانية وأطلقت في فضائها العنان لحوربة يحلو معها لأبطال التوقعات والتقديرات "على الطلب" معاقبة الرأي العام والاقتصاص منه بوافر خبراتهم الجليلة في هذا الكار العتيق.

حتى ان السوريين أنفسهم، على ضفتي الصراع الدامي، لم يبلغوا بعد، بكل البلاغة التي تعكسها مبارزاتهم الحادة عبر الفضائيات، السقوف المحلقة التي تسلق اليها أنبياء الشؤم ومحترفو التهويل عندنا. حتى لكأنك تخال لوهلة ان لبنان مسح ذاكرته ولم يمر يوماً لا بفتنة ولا بحرب أهلية ولا بحرب خارجية عليه، ولا بكل صنوف الشرور التي استيقظت إلهامات هؤلاء الغيارى على سوريا ونظامها وشعبها واختاروا ان يسددوا فوهاتهم في اتجاه الداخل اللبناني ويقصفونه بلواذع قرائحهم المتفتقة على هواية الترهيب.

ولعل أسوأ ما ينضح به هذا المشهد الناشئ هو انكشاف لا مثيل له في التسطيح والخفة والهبوط التعبيري، ناهيك بجهل فاقع مفضوح في تناول احدى اخطر الازمات التي تواجه المنطقة برمتها والتي ترشح سوريا كلاً لأن تشكل الأزمة الاقليمية الأولى لمدة غير محدودة ولظروف يستحيل على عقل سوي أن يستبق طبيعتها وآثارها ومدى انفلاشها. لم يرَ بعضهم عندنا سوى انسحاق لبنان فوراً وتلقائياً كأنه القدر الحتمي المكتوب عند كل هبّة صغيرة، فكيف مع اندلاع الثورة السورية. كما لم يرَ بعضهم الآخر سوى لبنان الجاذب المغناطيسي للأهوال كأنه يحلم بجَلد الذات مسبقاً ان كرّت سبحة المكاره بالنسبة الى مواقع هذا البعض وارتباطاته ومصالحه العتيقة.

يسود المشهد اللبناني في هذا الجانب ما يكشف الخواء الهائل الذي يصيب معظم السياسة الداخلية، بحيث تسبق الألسن العقول، وتجتاح الانفعالات ادنى معايير العقلنة والمسؤولية. ويغدو الكلام عن التحريض في هذه العجالة اشبه بالابتذال، ولو انه فعلا تحريض موصوف. فبعض ما قيل ويُقال ويُنذر بما سيقال، في التهويل على اللبنانيين، لا يستدعي سوى الشفقة على أولئك الذين لا يزالون يؤخذون بعروض الاستقواء الكلامي والعنف اللفظي المتاح والمتوافر بخفة متناهية. والأنكى من ذلك ان تفتح المنابر على غواربها لـ"هواة النوع" ويصبحون نجوم اليوميات اللبنانية يغدقون على الناس ما تعتمل به قرائحهم من نبوءات الشؤم كأنها وقائع حاصلة لا محالة ولا مردّ لكل ما تفيض به هذه العبقريات السباقة. وبالأمس "افتتح" مركز للتحكم بالتنصت مع "التزام" باحترام خصوصيات الناس، فمن يدفع عن الناس انتهاك خصوصية الحماية من الهبوط المدمّر؟
والا تتيح موجبات حماية الذوق العام، قبل السلم الاهلي نفسه، تجنيب الناس كل هذا الفائض من "المتنورين"؟

Exit mobile version