تقترب تداعيات الربيع العربي أكثر فأكثر من لبنان مع بروز توقّعات مقلقة لغيوم متلبّدة وعواصف محتملة تحمل معها بالتأكيد أمطاراً وفيضانات وحتى "زلزالاً" ستكون له عواقب وخيمة في بلد يرزح سكّانه أصلاً تحت وطأة الانقسامات والتشوّش ويتعرّضون لغسل الأدمغة.
ويندرج توقيت إعلان وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إي" أن "حزب الله" أسر عملاء لها ويُرجَّح أن يكون قد قتلهم، في السياق نفسه. فمن المعلوم أن "حزب الله" كان قد أعلن في حزيران الماضي أنه أسر جواسيس أميركيين، ولذا فإن تأكيد الخبر الآن يحمل مؤشّرات أبعد من إخفاق الوكالة. فربما كان مؤشراً للاصطدام بحائط مسدود في المفاوضات أو المحادثات التي تمتدّ خارج الحدود اللبنانية.
قد يبدو لبنان من بعد بمنأى عن الربيع العربي أو غير معنيّ مباشرةً به. ولكن إذا نظرنا عن كثب، يتبيّن أنه لا يزال امتداداً لسوريا، ولو افتراضياً. وإذا كانت الأوضاع قد حافظت على هدوئها حتى الآن، فالسبب الوحيد هو أنه لم يحن بعد دور لبنان لاستخدامه ورقة في أيدي النظام السوري وحلفائه. لقد عبّر "حزب الله" ومجموعات أخرى موالية لسوريا بصراحة شديدة عن دعمها المطلق لنظام الأسد في وجه "المؤامرات" العربية والغربية. وهذا النوع من الدعم يمكن أن يتحوّل مواجهة عسكرية في أي وقت من الأوقات، دونما حاجة إلى أعذار أو استفزازات.
يكفي أن يصدر أمر واحد لينطلق هجوم على إسرائيل. وبأمر ثانٍ، يمكن أن يسيطر مقاتلو "حزب الله" على بيروت. ويمكن أن يؤدّي أمر ثالث إلى إشعال الحدود ونقل النزاع إلى قلب كل منطقة من لبنان. المؤسف هو أن الحكومة والجيش في لبنان ضعيفان الامر الذي يجعلهما عاجزَين عن وقف مثل هذه المحاولات. أما ما يجول في بال المجموعات الأخرى وما تقدر عليه للردّ على هذه الممارسات، فقصّة أخرى ستكون لها تداعيات أسوأ بعد!
مع تفاقم التشنّجات والمواجهات السياسية بين السياسيين أنفسهم وبين المواطنين اللبنانيين على السواء، تكفي شرارة واحدة لتتفجّر الأوضاع وينتهي الجمود الظاهري ويتحوّل مواجهة عسكرية شاملة.
ويزيد تدفّق اللاجئين السوريين إلى لبنان تأزّم الأوضاع. فما أدرانا ما الذي يعبر أيضاً الحدود السورية في اتّجاه لبنان إلى جانب المواطنين العاديين الهاربين من النزاع.
من جهة أخرى، سوف يؤدّي الانقسام حيال تمويل المحكمة الخاصة بلبنان التي تنظر في اغتيال الحريري، إلى زيادة الالتباس في المشهد السياسي وظهور الكثير من التحالفات والسيناريوات الجديدة.
قال الرئيس بشار الأسد الذي يعاني عزلة دولية والعاجز عن السيطرة على الانتفاضة في الداخل، لصحيفة "الصنداي تايمس" إنه لن يستسلم. وحذّر أيضاً من مغبّة التدخّل العسكري في سوريا قائلاً إنه سيتسبّب بـ"زلزال" يهزّ المنطقة. وهو يستند في كلامه هذا، في شكل أساسي، إلى المؤازرة من جاره في الغرب والجنوب الذي يعوّل عليه ليولّد العاصفة المناسبة لمساعدته على زعزعة الأوضاع إقليمياً وحتى عالمياً.
عُرِف عن لبنان، ويا للأسف، أنه الأرض التي يخوض عليها الآخرون حروبهم. وتحلّ ذكرى الاستقلال اليوم محفوفة بالمخاطر التي قد تؤدّي إلى استباحته من جديد. لكن الحقيقة تبقى أنه لا يمكن الآخرين أن يخوضوا حروبهم في لبنان لولا موافقة اللبنانيين ومساهمتهم. والتاريخ يعلّمنا أن بعض "اللبنانيين" هم دوماً على أهبّة الاستعداد ليسدوا الى الآخرين هذه الخدمة!