السياحة السياسية التي يقوم بها رئيس الجمهورية، وخطبه الرتيبة وكأنها مستقاة من كتب التربية المدنية التي كانت تدرس في السبعينات، ومهرجانات راشيا الاستقلالية، كلها لا تزيد مناسبة الاستقلال وهجا هذا العام، ولا تعني ان لبنان في ظل ادارة الرئيس سليمان ومع حكومة نجيب ميقاتي يعيش حالة استقلالية كتلك التي تحدث عنها الاول من راشيا، وقد دفع من اجلها رجالات كبار اكبر الاثمان، فإذا بالانتهازيين يرثون (او يحاولون) دماء من اتوا بالاستقلال الثاني بقوة عزائمهم، وبشجاعتهم في مواجهة النظام الامني السوري – اللبناني المشترك، وبجرأتهم في الدفاع عن الكيان والنظام والصيغة في مواجهة فاشيستية "حزب الله". من علامات الانحطاط السياسي ان تكون للبنان حكومة تمثل حقا وحقيقة صفوة قتلة الاستقلاليين في لبنان، وصفوة قتلة الاطفال في سوريا. ومن علامات الانحطاط ان يكون رئيس الحكومة معينا من خارج ارادة بيئته لا بل ضد ارادتها، ورغما عنها بقوة سلاح حالة فاشيستية فرضت سيطرتها من فرط ما استسلم امامها الكثيرون. ومن علامات الانحطاط ان يكون اصغر مختار في درعا او ادلب اكثر شجاعة، وعزّة، وحرية من كثيرين يتقلدون ارفع المناصب في بلدنا.
اما شعار الحفاظ على الاستقرار الذي رفعوه فقام في جوهره على فكرة ان يستسلم اللبنانيون ويذعنوا لمشيئة حملة السلاح حفاظا على الاستقرار. وفي كل مناسبة يعودون الينا بأسطوانة الحفاظ على الاستقرار.قالوا: لقد استسلم رئيس الجمهورية للقمصان السود حفاظا على الاستقرار، ومشى وليد جنبلاط في الصف موقتا حقنا للدماء بين الدروز والشيعة، وخان نجيب ميقاتي اهله منعا للانفجار ودرءا للانهيار. وفي النهاية اين وصلنا؟ لم نصل الى دولة ودويلة فحسب، بل الى مرحلة انقضت فيها الدويلة على الدولة وبدأت بنهشها في احشائها. وصلنا الى مرحلة صار فيها الحديث على العدالة ولا سيما عند رئيس حكومة اتى على دماء رفيق الحريري مجرد ارقام تطرح من باب الخوف من غضب المجتمع الدولي الذي يمكن ان يصيب مصالحه في الخارج، لا من باب العدالة لشهداء كبار قضوا في سبيل لبنان. والانكى ان لبنان يصوت في المحافل الدولية والعربية بجانب قتلة الاطفال في سوريا تحت عنوان الحفاظ على الاستقرار.
أي استقرار هذا الذي يتحدثون عنه؟ انه الاستقرار نفسه الذي كان بشار الاسد وقبله والده يتغنيان به. انه استقرار الاحتلال الداخلي، والقهر، والقتل، ونشر الرعب، ومصادرة مستقبل الناس. انه استقرار التخلف والعزلة الدولية. استقرار تمجيد القتلة ورفعهم الى مصاف القديسين.انه استقرار ابتلاع الدولة وسيادة اللاقانون، وقيام عصر العصابات المسلحة في كل مكان. انه استقرار بيروت المحتلة، والجبل المخترق المهدد، والعقارات المقضومة، والتوسع الديموغرافي الممنهج.
في عيد الاستقلال، كم كنا نتمنى ان يكون لبنان الرسمي اكثر استقلالا واقل تبعية لقتلة لبنان وسوريا.