#adsense

جاء الاستقلال وطارت العنزة… (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

عيد الاستقلال، صف شعورك وعواطفك. هكذا كنا نُسأل أيام المدرسة. ونكتب موضوع انشاء طويل عريض، مزيّن بأجمل العبارات وأرقها تعبيرا عن الوطنية والتغني بالوطن والارض وما الى ذلك، وكلما كان "دوز" الوطنية عاليا، كلما علت العلامات التي قد تصل في هذه الحال الى 16 على عشرين، خصوصا اذا ما مسّ النص مشاعر الاستاذ، اذ ان الانشاء مسألة نسبية، والعلامة المرتفعة تعني ان الاستاذ راض، وفي حال العكس يعني أكلنا الضرب والعلامة منخفضة.

أذكر في مدرسة أبي في الضيعة، كان عيد الاستقلال بمثابة مسابقة بين التلاميذ نتنافس على أجمل نص، وكان في انتظارنا جائزة، اما قرطاسية ملونة غير تلك التي نشتريها من الدكان او، وهنا الجائزة الكبرى، الخروج لنحو ساعتين من الصف في جولة الى البساتين القريبة من المدرسة، حيث كان أبي يدرّسنا العلوم في الطبيعة، عن كيفية التشحيل وتلقيح الشجر والزهر وما شابه. سعادة. هذا قبل يوم من النهار الكبير، اي 22 تشرين الثاني، اما اليوم الكبير فموعد آخر. هو موعد اليوم التلفزيوني الطويل، وهنا المتعة. ساعات البث عبر تلفزيون لبنان كانت تبدأ من الثامنة صباحا مع فيروز و"هللي ع الريح". ومنذ تلك الساعة نتسمّر حدّ الصوبيا ولا نتزحزح الا لحاجة قصوى، ونبدأ رحلتنا الوحيدة التي كانت متوافرة، حول عالم من غير عالمنا على الاطلاق.

أول البرامج وثائقي عن الاستقلال بالابيض والاسود، اكيد منذ ايام بشارة الخوري وشارل الحلو، وحيث دائما يتصدّر العرض تلك العنزة. لم نكن نفهم لماذا هذه العنزة القبيحة تمشي بتعال أمام الدبابات والشخصيات، وتتمرد أحيانا وتزيح عن الخطّ المرسوم ولا من يجرؤ على مواجهتها. رمز العناد. قال لنا أبي عندما سألناه عنها في اليوم التالي…

الان وبعد سنين طويلة، صرت أفهم لماذا اختفت العنزة من العرض. ليس لان الجيش خسر عناده. بالعكس، ولكن الاستقلال خسره بالتأكيد. هذا ليس كلاما وطنيا "عاليا"، ولو كنت في المدرسة لكان الاستاذ وضع لي علامة صفر! ممنوع المشاعر الدفينة العفوية. لكننا الان اصبحنا في الربيع العربي، والدنيا حرية وان كان تقهقر قليلا ربيع لبنان. أنا أعرف، وبحسب كتب القراءة التي حفظتها، والقصص الادبية التي ابتلعتها والزمني أبي قراءتها وتلخيصها أيضا، أعرف أن الاستقلال هو العناد على السيادة والحرية والكرامة، أبحث عن كل هؤلاء في مشروع الوطن فلا أجدها. اقنع نفسي. اغمض عيناي لاتخيّل هذا الواقع، فأرى شيئا اخر مختلف تماما، شيئا بشعا. أرى جمهورية كالفطر السام تعربش على الذكرى الجميلة، وعلى ضلوع الاستقلال لتخنق مجرى الهواء فيه. أجد سلاحا غير ذاك الذي نراه في العرض العسكري، يزحف كحيّة رقطاء ممتلئة بالسموم، تنفث فحيحها كلما شعرت ان الاستقلال الحقيقي يقضي بالقضاء على أي دخيل على السيادة. أرى لبنانيين ما ان تحرروا من احتلال، حتى اشتاقوا اليه وعادوا منحني الرؤوس الى أحضانه صاغرين، أرى لبنانيين يحملون مشقة انتمائهم الى لبنان، وهم يندهون على غير جمهورية وغير دستور وغير حدود….أي عنزة بعد؟ طارت…

لكن لا يمكن الا ان نعود الى كتاب القراءة. الى اليوم التلفزيوني الطويل وحكاية الاستقلال. كان لنا ذات يوم ليس ببعيد استقلال ثان. 2005. وشهداء. ثورة الارز. الان من جديد نبني استقلالنا الثالث. لا نلتفت الى من يريد أو من لا يريد. سنبنيه غصبا عن ارادة محتل مقنّع وعملاء مكشوفين الى درجة التقيؤ. من يحب المشاركة فليستعد لعرض عسكري فعلي مع قطيع مجوقل من العنزات. هذه المرة العناد تحوّل جنونا. جنون للدفاع عن مكتسبات ثورة الارز. جنون للتصدي لسلاح جمهورية السواد الاعظم…

هو عيد الاستقلال حسبنا ببعض الحلم. بكثير من العناد. بالابيض والاسود وكل الالوان بـ "هلّي ع الريح يا رايتنا العالية"…لان دائما دائما هناك تشرين وملاعب للابطال… آمنوا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل