إستعدْنا البارحةَ ذكرى الاستقلالِ الثامنةِ والستين، استقلالِ لبنانَ عن أخواتِه العربياتِ، وعن أمِهِ الفرنسية. فاستقلالُ ال 43 جاءَ بقناعةٍ منَ اللبنانيينَ أن لا الشرقَ ولا الغربَ أقربُ اليهم من بعضِهم الى بعضِهمِ الآخر.
لكنْ هل يكفي أن نستذكرَ العيدَ من دونِ أن نتعظَ من دروسِهِ وعِبَرِه؟ هل يكفي أن نُقيمَ الاحتفالاتِ والاستعراضاتِ، في استعادةٍ للذكرى من دونِ استعادةِ المغزى؟ هل نكتفي بالبهرجةِ وننسى الأساس؟ أليسَ من واجبِنا أن نتفقَ ونتوحّدَ قبلَ أن نُقدِّم قرابينَنا؟ ألم نفهمْ بعدُ أنَّ اللبنانيين إذا توافقوا تحرَّروا، وإذا تفرّقوا استُخدموا وصاروا وقوداً لمشاريعِ الغير؟
فهل نحن اليومَ موحَّدونَ فوقَ مشاريعِنا وطوائفِنا وانقساماتِنا كلِّها في سبيلِ لبنان؟ هل نسلّمُ جميعاً بأنَّ الوطنَ أولاً؟ أم أنَّ عِبَرَ التاريخِ لم تنفعْ وما زالَ بيننا مَن يحاولُ أن يضعَ مشاريعَه الخاصةَ فوقَ مشروعِ الدولةِ وفوقَ مشروعِ لبنان؟
إنَّ عيدَ الاستقلالِ الفعليِّ يكونُ يومَ لا يُنتخبُ ممثلونا بإيحاءٍ خارجيٍّ، وعندما لا تُشكَّلُ حكومةٌ بطلبٍ خارجيٍّ وارضاءً لمصالحِ الخارجِ، وعندما لا تتمُّ التعييناتُ بإيحاءٍ منْ خارجِ الحدودِ، وعندما يُعتبَرُ أبسطُ خرقٍ للحدودِ في الشرقِ أو الشمالِ أو الجنوبِ أو من جهةِ البحرِ تعدّياً على الدولةِ، وعندما تسودُ الدولةُ على أراضيها رافضةً تقاسمَ سلطتِها معَ أبناءٍ أو أخوةٍ، وعندما تُصبحُ قراراتُ الحكومةِ نافذةً في كلِّ لبنانَ، وعندما لا يَعلو أحدٌ فوقَ القانون…
عيدُ الاستقلالِ الفعليِّ يكونُ يومَ يتصرفُ المسؤولُ وفاقاً لقناعاتِهِ ووفاقاً للمصلحةِ اللبنانيةِ وليسَ وفاقاً للمصالحِ الخارجيةِ أوِ الفئوية. الاستقلالُ الفعليُّ يكونُ يومَ يعترفُ اللبنانيون ببعضِهمِ البعضْ، وبحقوقِ بعضِهم البعضْ، ويومَ يتبارَونَ على خدمةِ لبنانَ دونَ سواه. الاستقلالُ الفعليُّ يكونُ يومَ يُحققُ اللبنانيونَ رسالةَ وطنِهم الوجوديةِ فيغدو أكبرَ منْ أنْ يُستخدَمَ أو يُستَغَلّ.
فهلْ نحن جاهزون للعيدِ الفعليِّ، هل نحن جاهزون لنُغيِّرَ ما في نفوسِنا حتى نُغيِّرَ أوضاعَنا فيستقلَّ وطنُنا وتستقيمَ أمورُنا ولا نبقى رهينةَ الأوضاعِ والتطوراتِ في محيطِنا؟ هل نحن جاهزون للعملِ تحتَ سقفِ المصلحةِ اللبنانيةِ والدستورِ والقانون؟ هل نحن جاهزون للتوحُّدِ في وجهِ كلِّ مَنْ تسوِّلْ لهُ نفسُهُ العملَ على تَفرقتِنا؟ هل نحن مستعدون للاعترافِ بأننا نحن مَجلَبَةُ المتاعبِ على وطنِنا بتوجيهِ آذانِنا نحوَ الخارج؟ هل نحن مستعدون للتعلُّمِ أنَّ حُلُمَ كلٍّ منا مستحيلٌ أما حُلُمُنا المشتركُ فمؤكدُ التحقيق؟
إنَّ النفوسَ الحرةَ الأبيةَ هي التي تصنعُ الاستقلالَ، وهي التي تصونُهُ ولا تقبَلُ عنهُ بديلاً. فالاستقلالُ الفعليُّ لن يتحقَّقَ ما لم تتحرَّرْ نفوسُنا وما لم يَقتنعْ كلُّ لبنانيٍّ انَّ كرامةَ لبنانَ كرامَتُهُ وأنَّ شرفَ لبنانَ شرفُهُ.
إنَّ الاستقلالَ الحقيقيَّ فعلُ إيمانٍ بلبنانَ، وفعلُ التزامٍ بالحريةِ، وعملٌ مستدامٌ لتثبيتِ هذينِ الفعلَين.