لا يبدو حتى الآن أن الربيع العربي قد شق طريقه إلينا. لم يشق الربيع العربي طريقه إلى لبنان لا على مستوى الجيل الشاب ولا على مستوى النخب السياسية والاقتصادية التي تتغنى ليلاً نهاراً باختلافها عن منظومات الاستبداد العربي المحيطة بها.
الربيع العربي فضح ادعاءات النخبة السياسية المختبئة تحت غلالة من ديموقراطية لا أثر لها سوى في ممارسة "اللعبة" الانتخابية نفسها بينما يختبئ الاستبداد في حنايا نظام طائفي يطبخ سياسيونا قوانينه التي تعيد إنتاجهم وإعادتهم الى الحكم على طريقة الاستبداد العربي نفسها. فعندما ينتزع الموت أحدهم يحتل مكانه أحد أبنائه او أقربائه أو أنسبائه بعد شيوع موضة الأصهار المدللين؛ ولا لجهة النخبة الاقتصادية التي تتحفنا دورياً بمدى نجاح الخلطة الاقتصادية – المالية- المصرفية في انتاج المعجزة الاقتصادية اللبنانية وعبقريتها.
وكان سبق هذا الاعتراف طرف الخيط الذي مدتهم به بعثة إرفد في الستينات من القرن الماضي. لكن ما يتناساه منظّرو المعجزة الاقتصادية اللبنانية أن بعثة إرفد لم تحل مشكلة اللاعدالة الاجتماعية ولا منعت الحركة المطلبية التي انطلقت مع بداية السبعينات ضد الهيمنة الاقتصادية والسياسية قبل ان تنحرف إلى حرب أهلية طاحنة لتضافر العوامل الأخرى المعروفة، من المحاصصات الطائفية والخلاف عليها، واعتراض الطرف المسلم على الاجحاف اللاحق بحقه الى دخول العامل الفلسطيني المفجّر على خلفية الاحتلال الاسرائيلي والتواطؤ العربي والتدخل الاجنبي، وكامل المنظومة التي لعبت دورها في إذكاء الحرب.
الجديد في الوضع الراهن ليس فقط وصول النظام الطائفي وصراعاته المذهبية الى نهاياتها البائسة ولو مع احتمال انجرارها إلى صراعات داخلية مسلحة بتأثير وضع الجار الاقليمي واحتمال ان تنجو منه أيضاً. الجديد إذن هو أيضاً هذا الحراك العربي ذو الطابع الراديكالي الذي لم تُدرٍك مدى أبعاد مفاعيله مكونات الخلطة الحاكمة اللبنانية العجيبة ولم تعِ بعد مدى الانقلاب الذي أحدثته. ومن هنا التذاكي في التعامل مع مطالب العمال والطبقات الفقيرة – ولا احب هذه الكلمة التي تحيل الى أرزاق مقسومة مسبقاً بقدرة إلهية أبدية بحيث يُغضّ النظر عن مفهوم الاستغلال والافقار المتعمد في هدر الحقوق الأساسية للمواطن اللبناني من الحق بالصحة الى التربية الى الحق بالتمتع بالحقوق السياسية والشخصية المدنية إلى التمتع بمستوى الحياة اللائق لمواطني جنة سويسرا الشرق.
حتى أن حركة "الغاضبين" التي انطلقت من نيويورك، احتجاجاً على الأزمة الاقتصادية العالمية والنظام المالي العالمي، توسعت لتنتشر في أكثر من ألف مدينة وأكثر من 80 بلداً. وتطوّرت الحركة لتتجاوز التظاهر بإقامة مئات المخيمات وسط لندن وفرانكفورت وأمستردام. ورأت صحيفة "لاستامبا" الإيطالية، أن "العالم يخرج إلى الشوارع متحداً وسلمياً ومنوعاً". فيما اعتبر الكاتب في صحيفة "ريبابليكا" ايغينيو سكالفاري، أن "الحركة عالمية، وكان في مقدمها الربيع العربي". وأكد أن هذه الحركة "تعبر عن غضب جيل ليس له مستقبل ولا يثق بالسياسات التقليدية، لكن الأهم من ذلك يعتبر المؤسسات المالية مسؤولة عن الأزمة وتحقق أرباحاً من تضرر المصلحة العامة".
ربما يستبعد البعض هذا الربط بين ما يحدث في إطار حملة وول ستريت المنطلقة ضد تغول النظام الرأسمالي العالمي وما أطلق عليه الربيع العربي الذي غطّى معظم جمهوريات الانظمة الثورية الحاكمة منذ الخمسينات او الستينات من القرن الماضي؛ فيرى أن هذه الثورات قامت أساساً من أجل استعادة كرامتها الانسانية بما تتضمنه من احترام لحقوق الانسان بينما حركة وول ستريت هي للاحتجاج على الاوضاع الاقتصادية التي تنعكس على الأوضاع الاجتماعية المتردية، وهي تتم في إطار مناهضة العولمة الرأسمالية المتوحشة.
لكن من لا يرى الصلة بينهما يغفل عن أن الثورات العربية انطلقت شرارتها من تونس بالتحديد وعلى خلفية البطالة والتردي الاقتصادي والاجتماعي تحديداً، طبعاً بالاضافة إلى المطالبة بالحقوق السياسية. والدليل على ذلك قدرتها على تحريك مختلف القطاعات بما فيها ملايين الجماهير الشعبية وعلى خلفية المعاناة من الظلم والفساد .
يظلم ثورات الربيع العربي من لا يرى الصلة بينها وبين التحركات الراهنة التي تعترف هي بهذه الابوة وتقلدها حتى في احتلال الساحات العامة وتبحث عن تلك التي لها صلة بالحرية على غرار ميدان التحرير القاهري.
حتى ان بعض الشعارات يدل على وعي الربط بين ما يجري هناك وما يجري في بلادنا وخاصة فلسطين، إذ أنهم لا يكتفون برفع شعارات من مثل "نحن الـ99 في المئة" (في مقابل الواحد في المئة من نخبة وول ستريت). ففي المقابل رُفعت لافتة "أقفلوا الاحتياط الفيديرالي" أو "احتلوا وول ستريت وليس فلسطين" أو "ميدان التحرير أميركا" وهناك ايضاً من يريدها شبيهة بتلك المعارضة لحرب فيتنام في السبعينات ويريدها "بداية للسلام ورسالة للعالم بأن الأميركيين لا يوافقون" على سياسات إداراتهم الشرق الأوسطية.
إن رياح التغيير بددت الأحلام التي بثتها موجة العولمة في التسعينات لأنها اصطحبت معها موجة صعود للأزمات الإثنية والعرقية والحروب الأهلية، وفجوة متسعة بين الفقراء والأغنياء في العالم وفي الدولة الواحدة، ثم توِّجت بأزمة اقتصادية عالمية مازالت تنشئ حراكاً في جميع أنحاء العالم، ليس الربيع العربي إلا واحداً من تجلياتها وتحولاتها الكبرى الجارية أو المتوقع حدوثها. ومن اللافت أن الاحتفالات بيوم الغذاء العالمي تصاحبت مع وجود مليار إنسان يتضورون جوعاً، ومع موت طفل في كل دقيقة! في المقابل، يسرف الأغنياء في الاستهلاك، ويقيّدون التجارة العادلة، ويستخدمون محاصيل الغذاء وقوداً حيوياً لمركباتهم الفارهة، ويزيدون من الضغوط الاقتصادية على شرائح المجتمع كافة. ولبنان الذي تعاني فئاته الشعبية من تدهور متفاقم، لن يظل بمنأى عن كل ذلك.
ولبنان في وضع مشابه، لذا لا يحق للمسؤولين تجاهل أوضاع المواطنين وعليهم العمل على إرساء العدالة الاجتماعية ولو في أدنى صورها؛ هذا يعني في أقل تقدير تصحيح الأجور بشكل عادل ومحتشم. أشار أنطوان فرح في مقالته في "الجمهورية" بتاريخ 24/ 10/ 2011 عن تقديرات الموازنة وكيفية التصرف بها من أن الزيادة على الأجور في القطاع العام تبلغ نصف مليار دولار أميركي ترفض الحكومة صرفها فيما ستصرف ملياري دولار على ما يسميه وزير المال "نفقات استثمارية"!! وهي على ما يفسر لنا فرح حرفياً: "وبصرف النظر عن جدواها الاقتصادية، هي في غالبيتها جوائز ترضية سياسية. وبالتالي، لا وزير المال ولا سواه، يستطيع ان يتصرف براحته في الغاء او اضافة هذا النوع من الانفاق. كما ان هذه المشاريع لا تؤمّن المصالح السياسية لمجموعة من الاطراف فحسب، بل انها تؤمن احيانا مداخيل اضافية ناتجة عن السمسرات والفساد في تلزيم وتنفيذ مثل هذه المشاريع".
ولأن مشكلة لبنان تكمن في ان ما يحمي الفساد ويعيد إنتاجه من دون كلل أو فشل هو نظامه السياسي الذي يعمل على طريقة العشائر في توزيع دم الضحية على القبائل مجتمعة كي يضيع الثأر وتضيع حقوق المحاسبة او الاقتصاص من المجرم او المجرمين. فنجد ان نظامنا الذي أنتج "ميني مستبدين" موزعين على رؤوس قبائل الطوائف والمذاهب كل بحسب حجمه وثقله، المختلف عليهما دورياً، بحيث تضيع كل محاسبة قد تصب في مصلحة المواطن اللبناني لمصلحة التابع والفرد الرعية. وهذا التابع ينتفض في كل مرة تتعرض فيها حقوق زعيمه الطائفي او المذهبي في ما يهمل مصالحه ولقمة عيشه وما يضمن له تحصيل حقوقه البديهية التي ضمنتها له شرعة حقوق الانسان التي حركت الانسان العربي وتنقل العدوى في مشارق الكرة الارضية ومغاربها.
لكن إلى متى المراهنة على غباء اللبنانيين؟ ليس عندما يجوعون!! ولكل وضع نهاية، ولا بد سيأتي اليوم، وربما بأسرع مما يتصورون لكي يتم قلب المعادلة والانتفاض على الوضع المزري الذي وصلته البلاد.
فهل من متعظ؟؟