أهم ما في خطاب الرئيس ميشال سليمان في عيد الاستقلال عصارة من ألم دفين بالنسبة الى المواطن اللبناني، الذي يرى ان الزمن يسير عندنا الى الوراء وبسرعة كبيرة. ففي استذكاره الرمزية الميثاقية وسحبها على الواقع الانقسامي الراهن بعد مرور 68 عاماً على الاستقلال كان كمن يرش الملح على الجروح.
صعود الدولة الى قلعة راشيا في ذكرى الاستقلال او في (الاستقلال الذكرى ) بدلاً من نزول راشيا وعموم الوطن الى بيروت، ربما كان محاولة من رئيس الجمهورية لاستنهاض روح 1943 الذي اراد ان يكون الميثاق الوطني اساساً راسخاً للاستقلال. لكن في وسع الذكرى وقلعة راشيا اعطاء المواطن درساً، فقبل 68 عاماً دخل الرجال الى السجن لإخراج الاستقلال، ومنذ زمن صار الرجال يزجون الاستقلال في السجن، يضعون السلاسل في يديه ويلقونه في المؤبد.
قرأ اللبنانيون في الايام الماضية عند المفارق والساحات جملة النشيد الوطني التي اختيرت شعاراً للمناسبة: "سهلنا والجبل منبت للرجال". لا بد ان معظمهم ابتلع المرارة وهو يمضي متسائلاً: ولكن ماذا بقي لنا من سهول في لبنان، سهل البقاع وبحيرته وقد صارا مكباً للنفايات؟ ثم اين هم الرجال في هذه الايام واين ينبتون، بعدما صار يتم تفقيسهم في الحاضنات السياسية والحزبية ودائماً وراء الحدود؟
ان التعمّق في قراءة خطاب الرئيس وقد اختار إلقاءه داخل القلعة المنسية منذ دهر، يدفعنا الى القول وبكثير من المحبة المجبولة بالألم الذي لابد من انه يعتمل في نفس سليمان:
هل كنا نستمع فعلاً الى خطاب عيد الاستقلال او الى "رقيم رئاسي" لا يخلو ضمناً من نعي عميق للاستقلال رحمة الله عليه، وخصوصاً بعد ايراد المقارنة بين ميثاقية 1943 وما نحن عليه الآن من تمزيق لكل المواثيق والعهود ومن انقسامات وشرذمة وارتهانات بغيضة لمصالح الآخرين ومن تزلم وارتزاق سياسي، وكل هذا يدفعنا الى طرح سؤال واحد: بعد 68 عاماً من الاستقلال هل نحن متفقون على معنى الاستقلال، وهل نحن موحدون على معنى لبنان ودوره وهويته؟
طبعاً لا داعي للبحث عن الاجوبة الجارحة، يكفي ان نتأمل ملياً في "الانجازات" التي اشار اليها سليمان بقوله: "الواقع الحالي يشير الى انها المرة الاولى منذ عام 1975 التي لم يشهد فيها لبنان لأكثر من ثلاث سنوات متعاقبة، حال اقتتال داخلي او حرباً عدوانية اسرائيلية عليه او وجوداً لقوات عسكرية عدوة او شقيقة على اراضيه…". ولكأن الاقتتال الداخلي لا يكون الا بالبنادق والمتاريس في حين ان الاقتتال السياسي الراهن والتشبيح الامني على البلاد والعباد شكل ويشكل الآن حرباً مفتوحة تمزق البلد وقد اهدرت عهد سليمان امام كلامك فخامة الرئيس لا يجوز الحديث عن عيد بل يجب القول: خاطرنا عندكم!