ما سُمّي «الهلال الشيعي» ذات يوم، يتدخّل في سوريا منذ اندلاع الثورة دعماً لنظام الأسد.
حتّى قبل أيّام قليلة، كان تدخّل إيران و»حزب الله» معلوماً… إلى أن «اكتُشف» مؤخّراً دخول «جيش المهدي» بقيادة مقتدى الصدر على الخطّ، حيث أرسل مقاتلين وأسلحة إلى سوريا، وخاطب السوريّين داعياً إيّاهم إلى المحافظة على بشّار الأسد.
ومع أنّ الدعم الذي يقدّمه هذا المثلّث للنظام السوريّ ذو طبيعة لوجيستيّة، وهو دعم لا يقدّم ولا يؤخّر كثيراً، فهو تعبيرٌ عن موقف سياسيّ بإزاء ما يجري في الداخل السوريّ.
غيرَ أنّه، وفي موازاة هذا التدخّل داخل سوريا – الضلع الرابع في «الهلال الشيعي» – لوحظَ في الآونة الأخيرة تراجُع أُطروحة وتقدّم أُخرى.
فعلى الرغم من استمرار نظام الأسد في التهديد بـ»إحراق المنطقة» ردّاً على تصاعد أزمته وعلى تزايد الضغوط عليه، يبدو واضحاً أنّ تهديدات أطراف «الهلال الشيعي» وإيران بالدرجة الأُولى بتحويل أزمة النظام السوريّ إلى أزمة إقليميّة، أي بفتح حرب إقليمّية، قد تراجعت. وتزامُناً مع تسعير النظام للفتنة المذهبّية عنده، اتّجهت أطراف «الهلال الشيعي» نحو الحديث عن فتن مذهبّية، سنّية – شيعيّة ضمناً، يمكن أنّ تعمّ العالمين العربيّ والإسلامّي في حال سقوط الأسد. وخلاصةُ ذلك هي أنّ الدعم عبر حرب إقليمّية (مع إسرائيل مثلاً) صار غير ممكن فيما التلويح بالفتن يتقدمّ.
وهنا، لا بدّ من فتح القوسين قليلاً، لمخاطبة الدور الشيعيّ عموماً ودور «حزب الله» خصوصاً.
ففي «الثقافة الحسينيّة» لدى الشيعة الإثني عشريّة، أنّ الإمام الحسين بن علي خرجَ على يزيد بن معاوية ليس فقط لأنّه كان يرفض مبايعته، بل كانَ في الأساس خروجاً على حاكم ظالم وفاسد. ولدى وجوده في كربلاء فاوضَ الحسين مع «الطرف الآخر»، غير أنّ ذلك التفاوض انتهى آنذاك بصرخة الإمام الحسين: «(..) يخيّرني ما بين السِلّة والذِلّة فهيهات منّا الذلّة»، أي إنّه إذ جرى تخييره بين استلال السيوف والقتال وبين الاستسلام، اختار القتال. القتال ضدّ الظلم والمذلّة. فهل ثمّة ما هو أقربُ إلى صرخة الحسين من صرخة الشعب السوريّ: «الموت ولا المذلّة»؟
وللتذكير التاريخيّ، فإنّ العديد من علماء المسلمين السنّة يدعمون ثورة الحسين بما هي ثورة ضدّ الظلم والاستبداد والفساد. وهذان القوسان هما من أجل القول إنّ دعم نظام الأسد الظالم ضدّ شعبه المظلوم، ليس فيه أيّ صلة مع «الفكرة الحسينيّة».
وعلى كلّ حال، ليس ما تقدمّ ضمن القوسين، خاتمةً للبحث.
ذلك أنّ الأساس هو التلويح بالفتنة السنيّة – الشيعّية أو التهديد بها. فهل قدَر الشيعة العرب أن يكونوا وقوداً لفتنة في دول الخليج بدفع من إيران؟ هل قدر الشيعة العرب أن يجري دفعهم نحو الفتنة من أجل نظام استبداديّ يتهاوى في سوريا، أو من أجل حسابات إيرانّية معيّنة؟ وهل قدرُ الشيعة اللبنانيّين أن يكونوا مع الظالم ضدّ المظلوم في موضوع اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وموضوع المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان والمُنشأة للاقتصاص من القتلة، وهل قدرُهم أن يكونوا أوّل من يدفع الثمن في حرب إقليميّة، أو أن يكونوا «مجاناً» مع الظالم والمستبدّ؟ وما مصلحتهم في معاداة الشعوب وفي اكتساب عداء من سيأتون بعد الظالم والطاغية؟ وما «الحكمة» في أن يفرض عليهم القطع مع تاريخهم، تاريخ الانتصار للمظلوم، وتاريخ الدور المشرّف في لبنان والمنطقة العربيّة والعالم الإسلاميّ؟
ثمّة من بين كبار الساسة في لبنان من ينقُل أنّ «حزب الله» استطاع أن يجعلَ من الشيعة اللبنانيّين طائفة قلقة وخائفة ومتوتّرة على خلفيّة التطوّرات السوريّة.
وثمّة من بين كبار الساسة هؤلاء مَن يشرح أنّ سلسلة الإشارات السياسيّة التي أعطاها الرئيس نبيه برّي في الآونة الأخيرة تعكسُ قلقاً لديه من التطوّرات السوريّة: من حديثه عن استئناف الحوار، إلى رسالته إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز والتي تطلب دوراً سعوديّاً في سوريا ولبنان… إلى إعلانه المخاوف من حرب أهليّة في البلد.
وفي هذا الإطار ينبغي التشديد على نقاط رئيسيّة.
إنّ دور الشيعة في لبنان هو منع الفتنة المذّهبيّة، وليس أن يتمّ إذكاؤها بهم. بل إنّ دور الشيعة اللبنانيّين أن يكونوا مثالاً للشيعة العرب في درء الفتنة عن المنطقة. والمهمّ أن يدرك الشيعة في لبنان وكلّ الطوائف اللبنانيّة أنّ التحوّلات التي شهدتها المنطقة منذ بداية العام، وسوف تشهدُها الشهور المقبلة، ليست انتصاراً لطائفة… ليست انتصاراً سُنّياً، بل هي انتصار ديموقراطيّ للشعوب، وأنّ نصيب لبنان منه كبير.
وفي لبنان بالتحديد، فإنّ «الربيع» لن يكون في أيّ حال من الأحوال غلبة لفريق على آخر. ففي لبنان هناك أسُس تمنعُ من أن يشهد غلبةً سياسيّة أو طائفيّة، بل أسُس تحمي شراكة متكافئة. والأسُس هذه يؤطّرها اتّفاق الطائف. «والربيع» في لبنان هو للدولة والنظام الديموقراطي… والعيش المشترك دائماً. وحقوق الطوائف «واصلة» في الطائف. ويبقى أن تُرسى الدولة وسيادتها.
سقوط نظام الأسد في سوريا ليس انتصاراً لجماعة وهزيمةً لأخرى. إنّه مرحلة جديدة للبنان… كما لسوريا والمنطقة، والمطلوب أن يحصّن لبنان إلى حين حصول «الحدث التأسّسي»الجديد.
يُقال ذلك كلّه «في وجه» من يتصرّف على أساس أنّ سقوط نظام بشّار خسارة للطائفة الشيعيّة، و»في وجه» من يذهب في دعمه للنظام المتهاوي إلى حدود بعيدة. ويُقال ذلك كلّه كي يعي الكلّ أنّ ثمّة فرصة تاريخيّة لمستقبل لبنان بكلّ مكوّناته، فرصة تاريخيّة للبنان بمكوّناته الذاتيّة، على اعتبار أنّ الجانب الأهمّ من أسباب انكشاف لبنان على الخارج بل تلاعب الخارج بالداخل، آيل إلى الانتهاء.
فما يُطمئن الشيعة أو يجب أن يطمئنهم أنّهم طائفة مؤسّسة ومتساوية، وأنّ الدولة الحقيقيّة هي الضمان للجميع.
ذلك كلّه ممّا ورد في السطور السابقة، يصحّ أن يكون مادة مبادرة من أحد… مبادرة لصون البلد من الفتنة في الفترتيّن، الفاصلة عن سقوط نظام الأسد والتي تليه. مبادرة يتمّ على أساسها منذ الآن التبصّر بمرحلة ما بعد الأسد. فمن لهذه المبادرة؟