لبنان في مهبّ الثورة السورية:
الحكومة المؤازرة للنظام… و"براغماتية" داعميها!
كأنهما حكومتان لنظام واحد؛ الأولى في دمشق برئاسة عادل سفر، والثانية في بيروت برئاسة نجيب ميقاتي· حكومة سفر مجرد أداة في يد ما تبقى من نظام <البعث>، وحكومة ميقاتي مجرد واجهة لسلطة <حزب الله> المتحالفة مع آخر أنظمة <البعث>· كِلتا الحكومتين متواطئ على الثورة السورية، ومتآزر لتأخير انتصارها·
في سجل حكومة ميقاتي ? حتى الآن- الكثير من المواقف والقرارات المخجلة· وزارة الخارجية أصدرت تعليماتها بالامتناع عن التصويت على قرار لحماية الشعب السوري في مجلس الأمن (كان توجه وزير الخارجية بالتصويت ضد القرار، لولا اتصالات مع الخارجية السورية، اعتبرت أن الامتناع عن التصويت يفي بالغرض بوجود <الفيتو> الروسي والصيني)، أما في جامعة الدول العربية فكان موقف الخارجية اللبنانية متطابقاً مع الخارجية السورية في رفض القرارات العربية ضد النظام السوري الرافض لتنفيذ المبادرة العربية· (كان لافتاً قول وزير خارجية قطر إن القرارات صدرت بالإجماع، رغم أن لبنان واليمن عارضاها؛ لكأنه يقول إن النظام اليمني فقد شرعيته بالثورة، والحكومة اللبنانية هي الوجه الآخر للحكومة السورية، وتالياً لا قيمة لاعتراضهما!)· الوزارة نفسها لم تر ما يستوجب طلب التوضيح في ما قاله الرئيس بشار الأسد لزواره: <إذا تعرضت سوريا للتدخل العسكري الخارجي، فإنها سترد عبر دمشق ولبنان وغزة>!، ولعلها لم تسمع أيضاً توعد مفتي سوريا أحمد بدر الدين حسون العالم، أن <استشهاديينا في لبنان وسوريا جاهزون للتوجه إلى أوروبا وأميركا>، كما أنها لم تلاحظ بعد الممارسات غير الدبلوماسية (خطف، واعتداء على متظاهرين···) لسفارة سوريا في لبنان·
حكومة الرئيس ميقاتي وفّرت أيضاً الأرضية المطلوبة لقرارات وإجراءات غير مفهومة؛ اتخذها الجيش اللبناني ومخابراته، من قبيل؛ تساهله مع التواجد المسلح للقوى المؤيدة للنظام السوري على الحدود مع سوريا، وغض النظر عن انتقال لبنانيين من هذه القوى إلى سوريا للإسهام في قمع الثورة، وتسليم الجيش اللبناني أو محاولة تسليم الأجهزة الأمنية السورية أكثر من فار سوري خلافاً للمعاهدات الدولية، وتقييد الجيش اللبناني حركة النازحين والناشطين السوريين، واعتقال أو محاولة اعتقال بعضهم (زهير النجار وزهير أبا زيد على سبيل المثال)، والمداهمة المخجلة لمنازل مواطنين في البقاعين الغربي والأوسط بذريعة البحث عن سلاح أو مطلوبين، عقب تظاهرات تضامناً مع الشعب السوري، وغض الطرف ? أو تبرير!- التوغل المستمر للجيش السوري داخل الأراضي اللبنانية ومقتل وإصابة لبنانيين وتضرر ممتلكات جراء ذلك، إضافة إلى ملاحقة البحرية السورية صيادين لبنانيين، وتعرض الجيش اللبناني نفسه إلى إطلاق نار من الجانب السوري وإصابة إحدى الآليات (بيان الجيش في 16/9)!·
والحكومة نفسها أيضاً؛ شلت قدرة الهيئة العليا للإغاثة على إغاثة النازحين السوريين، وهي من رفض تجميعهم في مخيم أو مكان يحترم إنسانيتهم، وهي من أصدر تعليمات بعدم استقبالهم في المستشفيات اللبنانية، وهي من قيّد التواصل الإعلامي معهم، قبل أن تتراجع تحت الضغط السياسي والشعبي·
والحكومة نفسها أيضاً سكتت عن <العار الوطني> الذي يتسبب به رئيس المجلس الأعلى اللبناني السوري نصري خوري، في كل مرة يصرّح فيها، من قبيل نفيه عمليات خطف لسوريين قامت به عناصر تابعة لأجهزة رسمية، ومن قبيل اعتباره <سوريا مغبونة في معاهدة الأخوة والتنسيق> (مع أن سوريا نفسها لا ترغب بإلغاء المعاهدة)، ومن قبيل زعمه أن <لا خروق سورية للحدود اللبنانية>، وأن <ما جرى في عرسال ?توغل الجيش السوري عبر الحدود-كان بالتنسيق بين الجيشين اللبناني والسوري>!··· فضلاً عن تعريضه الاقتصاد الوطني للخطر بتصريحاته عن <إحباط ضغوط على الليرة السورية بفضل صيارفة لبنانيين>!·
··· ولا أخلاقية داعميها
الثورة السورية المجيدة لم تتسبب بتعرية الحكومة فقط، وإنما نزعت ما تبقى من أغطية أخلاقية لداعميها· يظهر ذلك من نفعية مواقف فريق 8 آذار؛ ففي حين نظم ممثلو هذا الفريق المرثيات بحق عدد من العمال السوريين تعرضوا لاعتداءات، لأسباب سياسية أو شخصية عام 2005 (وهو أمر مشين في الحالين)، إذا بهم ينفون أو يبررون ما يتعرض له الناشطون السوريون من خطف وتضييق، بل إن أحداً منهم لم يُدن هذه الحالات على غرار ما فعل خصومهم السياسيين (14 آذار) في العام 2005، حتى أن بعضهم راح يبرر الواقع اليوم ?إن صح برأيه- بما جرى في العام 2005!·
ومع أن الجمهور الداعم للحكومة اليوم وجد كل احتضان من الشعب السوري في العام 2006 (حرب تموز) إذا بمن يمثل هذا الجمهور يعمل على سد سبل الحياة الكريمة للنازحين السوريين اليوم، فتارة ينفي وجود نازحين ويغض الطرف عن معاناتهم، وتارة يضيق عليهم ويكتب التقارير عنهم·
وبالمقارنة يظهر أيضاً كيف رهن الداعمين للحكومة مواقفَهم بمصالحهم، فأيدوا الشعوب العربية ضد أنظمتها الفاسدة، لكنهم أنفسهم انتقلوا من تأييد الشعب إلى تأييد النظام في سوريا، لأن الثورة هناك تعارض مصالحهم، علماً أن المعارضة الحالية (14 آذار) أيدت الثورة المصرية، التي أطاحت بحليف موضوعي في السياسة هو الرئيس حسني مبارك، وتالياً فإن الموقف المؤيد للشعوب كان نفسه في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا·
أما فيما خص السيادة الوطنية؛ فقد انتقلنا من رفض فريق 8 آذار ترسيم الحدود، إلى سكوته عن تلغيم الحدود، مع أن التلغيم ? وهو عمل عدائي لا ينسجم مع علاقات <الأخوة>- يحتاج إلى ترسيم، فكيف كان الترسيم جريمة في حق العلاقات الأخوية مع سوريا، وبات التلغيم الذي تسبب بمقتل لبنانيين وسوريين، أمراً مقبولاً في إطار العلاقات الأخوية اللبنانية السورية؟!· وكيف كانت المطالبة الحكومية السابقة بضبط الحدود مع سوريا (تهريب السلاح والبضائع) أمراً مستنكراً، في حين بات اليوم أمراً مطلوباً تتعاون الحكومتان في لبنان وسوريا على تحقيقه؟! وكيف بات طرد السفير السوري من بيروت-بعدما تحولت سفارته وكراً لـ<التشبيح>-، أمراً غير مقبول، في حين كان عدم وجود سفارة أصلاً أمراً طبيعياً، و<غير ضروري بين بلدين شقيقين>؟! (لم تفتح سوريا سفارة في بيروت إلا بعد نضال طويل، وبعدما باع النظام هذا <التنازل> إلى فرنسا وقبض ثمنه إعادة تعويم نفسه في العام 2008)··· ثم أين المبدئية في ذلك كله؟!
الرئيس النجيب!
يقولون إن الرئيس نجيب ميقاتي ليس من هذه الطينة، وأنه إنسان متدين ووسطي ومحب للخير؛ لعل ذلك صحيح، لكن إذا استثنينا كل مواقفه السياسية الأخيرة وحصرنا الأمر بالثورة السورية؛ كيف لميقاتي أن ينام وحكومته متواطئة إلى هذه الدرجة على دماء السوريين التي تنزف كل يوم؟! وكيف لضميره أن يهدأ وأشقاؤنا النازحون بهذه الحال من الخوف على أنفسهم، قبل أن نتكلم عن الحاجة إلى الغذاء والدواء والاستشفاء··· وهل سمع رئيس حكومتنا أن الأمن السوري يستهدف المواطنين اللبنانيين؟ هل سمع ميقاتي باسم عبد الناصر رايد الذي خطفته قوات سورية من داخل الأراضي اللبنانية قبل أيام؟ هل سمع بأسرة أبو جبل (أحمد وشقيقه والطفلان) الذين قتلوا داخل الأراضي اللبنانية الشهر الماضي؟ هل أخبره <أحدهم> أن ثلاثة نازحين سوريين خطفهم الأمن السوري بعد توغله في بلدة حنيدر اللبنانية الشهر الماضي أيضاً؟ هل قرأ بيانات المنظمات الحقوقية التي وثّقت أكثر من حالة إخفاء قسري لنازحين سوريين؟ هل سمع قصة ابن مدينته، سائق التاكسي عثمان عبد القادر حجازي الذي <ضحت> به شبيحة نظام الأسد في عيد الأضحى في حمص واحتجزت جثمانه أياماً؟ هل سمع أن الهجانة السورية توغلت أمس الأول عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية وقامت باختطاف الشابين أحمد قاسم أبو النصر حمزة وعلي غزوان الأشعل من بلدة الخضر عند الحدود اللبنانية السورية من جهة البقاع؟ هل انتبه إلى أن مخابرات الجيش دخلت إلى بلدة عرسال لاعتقال ناشط سوري، برفقة عناصر من <حزب الله>، ما دفع الأهالي للتصدي لهم؟!···محبو الرئيس ميقاتي لا يرتضون له هذا الوضع، فلماذا يرضاه لنفسه؟! لماذا يرضى أن يكون الرهينة التي تدفع الثمن من رصيدها ليرتاح الخاطفون؟